مكاشفات (2) صحيفة البلاد

تقييم القراء: / 8
ضعيفجيد 

 


 

* لماذا جعلتم من مسألة قيادة المرأة للسيارة قضية حياة أو موت , وأم معارك بينكم وبين التيار الليبرالي، مع أنها قضية هامشية , ولا تستحق كل هذه الضجة والانفعال، كما أن في الشرع - يا سيدي الكريم - فسحة وهو ليس متزمتاً إلى هذا الحد؟ ولا أخفيك أنني أكاد أذهل من حديّة الخطاب لديكم في هذه المسألة بالذات؟؟

** صدِّقني يا أخي ، أنني كنت أتمنى أن أُسأل هذا السؤال في أية مناسبة إعلامية أمر بها، لأن كثيراً من مواقفنا الدينية أو السياسية تتخذ، وللأسف الشديد، في لحظة الأزمة، وبالتالي يكون الفكر متأزماً، ويكون الرأي متأزماً ، وتكون كذلك الممارسة، ونكون نحن أشبه ما نكون ببرادة الحديد حول مغنطيس، وهنا دعني أختصر لك موضوع قيادة المرأة للسيارة، بصورة أجزم أنها يتفق عليها السلفي والليبرالي وغيرهما، الأخوة الإسلاميون أو الليبراليون، هدانا الله وإياهم، يفرقون بين قضيتين في مسألة قيادة المرأة، أولاً الحكم الإسلامي المجرد لقيادة المرأة للسيارة، وفي هذا إجماع على الإباحة، وأصل العبادات التحريم.. وثانياً نأتي إلى ما يسميه الفقهاء تحقيق المناط، ومعناه تطبيق الحكم في عالم الواقع، والتطبيق هو الذي يخضع لما يسمى بالسياسة الشرعية، وهذه الاخيرة تخضع لقاعدة المفاسد والمصالح فاذا رجحت المصالح على المفاسد أُخذ بها واذا رجحت المفاسد على المصالح أُجِّل الموضوع للحسم، وخذ مثلاً أن أحدهم خطب قائلاً إن قيادة المرأة للسيارة في بريطانيا حرام، لا يقدر على مثل هذا القول أي شيخ من المشايخ، لأن ميزان المصالح والمفاسد هناك يرجح كفة المصلحة على المفسدة، لكن في مجتمعنا السعودي ووفقاً لهذه النظرة، يرى أصحاب الشأن أن المفاسد ترجح على المصالح، وبالتالي فإنها بيئة فتوى معينة، بمعنى أن الفتوى تتغير إذا ما تغير الميزان، هكذا وبكل بساطة.

 

ولكن يا د. محسن , ألا تعتقد أن المسألة يمكن أخذها بوجهة معينة من شأنها التشنج، فيسمح * بقيادة للمرأة عندنا بقيادة السيارة وفقاً لضوابط معينة من شأنها تفسير ميزان التناقض، وعند ما أقول تناقض فإنني أعني ما تبديه لي أقوالك الحريصة على الثبات على مماشي القرن الواحد والعشرين وما تعكسه لي دراستك الجامعية الغربية, واستلهامك سلوكيات وأدبيات القوم الإيجابية التي تتماشى مع الإسلام ؟

** هذا سؤال مهم جداً، وأنا أقول لك وبكل صراحة، أنه يسعدني جداً أن تكون لدى بناتي وأولادي خبرة في قيادة السيارة، وفي الحقيقة فإن اغلبهن لديهن خبرة، ذلك أنه ليس لي أولاد كبار، لكنني لست متحمساً إلى رؤية زوجتي أو بناتي وهن يقدن سيارة في الشارع السعودي، طالما أنه مترجح لديَّ ولدى من أفتوا بعدم جواز ذلك الآن، ولذلك لا أرى أن اتاحة الفرصة لهن في هذه القيادة ضرورية الآن، ما لم تزل الموانع الشرعية والعقبات المعتبرة من قبل مجتمعنا السعودي.و..

 

* عذرا, لكن أرجو منك أن تتوقف هنا , وتجبني بالتفصيل عن هذه الموانع والعقبات المعتبرة,التي أصبحت مشجبا نبرر به,أو صنما يئد في رأيي كل أفكار تجديدة ؟

** أنا لست مفتياً لأقول لك، بل أدع الفتوى لأهلها لكن هذه العقبات بالنسبة وطالما أن رجال الأمن هم رجال وليسوا نساء، فإنني لا أرى أنه من اللائق مطلقاً، أن يباشر رجل الامن اسعاف زوجتي أو ابنتي إذا ما تعطلت بها السيارة.

وجانب آخر أراه مهماً، وهو أنني لا أريد مثلاً أن اسمح لزوجتي بالسفر من المدينة الفلانية إلى مدينة أخرى وحدها، فأنا نفسي عندما أسافر وحدي أحسب حساباً كبيراً وتحوطات ، فكيف أترك زوجتي أو ابنتي تسافر لوحدها، فلنكن واقعيين نحن مجتمع محافظ ومترابط ولم يعتد مثل هذه الهشاشة الاجتماعية على الاطلاق، اوعليه يجب ألا تدفعنا بهرجة الغرب من جهة، ومطرقة اللوم العالمي علينا لكي نهدِّم ثوابتنا، وعلى أية حال، هناك وقت من الأوقات وحينما تكون الظروف مواتية، تأكد من أنني سأكون أول من يرضى بأن تقود زوجته أو ابنته السيارة.

 

قاعدة "أخف الضررين"

 

* وما هي هذه الظروف المواتية يا سيدي العزيز؟ أليس الأحشم للمرأة السعودية ، في المدن الكبيرة على الأقل وبضوابط معينة ، أن تقود سيارتها بمفردها بدل أن تكون في خلوة مع سائق أجنبي , ولا أحسب إلا أنك سمعت عن بعض القصص المهولة في هذا الشأن؟ بل دعني أسألك يا دكتور محسن عن القاعدة الذهبية " أخف الضررين "لا أسمعها أبدا عند مناقشة هذه المسألة, ألأنها لا توافق ما ذهب اجتهادكم إليه؟

** في الحقيقة خلوة المرأة مع سائق أجنبي، أهون منه الموت، أنت تأتيني الآن بمشكلة قائمة، نتفق أنت وأنا على الأقل بأنها مشكلة، ونعاني منها بشدة ونتمنى ألا نراها في مجتمعنا، وإن شئت رأيي الصريح فإن مسألة السائق الأجنبي الذي يقود السيارة وهو مختل بإمرأة أسوأ بكثير وأخطر من أن تقود المرأة سيارتها، وفي الواقع أستغرب لحال العلماء الذين يتحمسون في فتواهم المانعة للمرأة من أن تقود السيارة، وإن كنتُ أؤيدهم في الوقت الراهن، ولكنهم لا يتحمسون وهم يرون المرأة تؤشر بيدها إلى سائق أجنبي في سيارة «ليموزين» وتركب معه لتحدثه إلى أين يذهب، وهذه حالة أشبه ما تكون بالخلوة، وهو خطأ، وأعترف لك وأقول بأن وضع المرأة التي تقود سيارتها بنفسها هو أخف وطأة من الليموزين والسائق الخاص، ولكن لا تأتيني بالأسوأ لتستعيض به عن السئ أو كما يقال من يرضى بالموت يرضى بـ«؟؟؟».

 

* تبدو لي هنا كتلميذ نجيب يطبِّق ما درسه بشكل حرفي دون اجتهاد أو إبداع، وإلا فقل لي أين البدائل التي من شأنها تصحيح هذه المعضلة واعادة الاتزان إليها؟ أم أنتم هكذا دائماً: تشهرون «سد الذرائع» في وجه أي مجدد, دون أن تجتهدوا أنفسكم بتقديم أي بديل؟

** هذا سؤال جيد، وفي تقديري فإن حل مثل هذه الإشكاليات يجب أن يكون جذرياً وشاملاً، والوضع في هذه الحالة يشبه لي وضع الطبيب الذي يجري فحوصات في كامل الجسم ليقوم بعملية جراحية في جزء معين، وفي ما يخص قضية قيادة المرأة للسيارة هل هي، حقاً، قضيتنا الرئيسية؟ لدينا مشكلة بطالة المرأة وهي أسوأ من الأولى، ومشكلة عنوسة المرأة وغير ذلك كثير، وأقول إنه عندما يتكافأ الرجال والنساء في مجتمعنا في الوظائف والحقوق والواجبات والفرص، عند حدوث ذلك، يسهل علينا الحديث عن هذه الأشياء وتخطِّي العقبات، ومثلاً هناك موقف من قضية تجنيد المرأة أي أن تكون مسؤولة أمنية، ولا يزال عند الناس نوع من الأخذ والرد حيالها، وأنا لا ألومهم قط، ربما لأنني أؤمن بما قاله ابن خلدون حول التدرج في التغيرات الإجتماعية، الذي هو أمر هام للغاية، وعلى هذا الأساس لا أحبذ فكرة حرق المراحل بدل تدرجها، ولك في القرآن الكريم أمثلة على ما أقول، فمثلاً عندما جاء تحريم الخمر لم يأت هكذا دفعة واحدة ، بل درَّجه ، وكذلك الامر مع مسألة «الرق»، فعندما أراد الله أن ينزع عن الناس الرق المتأصل ، نزعه جزئياً وترك جزء منه ما لبث ان زال وانتهى، اذن ، لا بد من مراعاة هذه الاعتبارات الاجتماعية، واكرر قائلاً أنه عند ما تتكافأ الفرص بين الرجال والنساء في المجتمع يسهل حل هذه المشكلات، بمعنى آخر، فان الناس عندما تقول لهم: هذه امرأة تعمل في الأمن، ضابطة أو ملازمة وغيره، وأن المجتمع عندنا من النساء ونصفه من الرجال، فماالمانع أن تعمل النساء مثلاً في هذه المهن، ونصف هذا المجتمع- النسائي أعني- يحتاج إلى مرافق تساوي مرافق النصف الثاني بالضبط حتى نكون منصفين وعادلين، وإذا وصل المجتمع بقيادته وشعبه ومفكريه إلى ما يسمى بالحل الوسط فإن المجتمع كله سيسهم في حل هذه الاشكالية بروح راضية ورياضية تجمع بين الرواية والدراية، وتجمع بين الثوابت التي لا يجوز المساس بها وبين متغيرات زائلة بهذه الطريقة وتلك المرحلة، أتوقع أننا يمكن أن نصل إلى حلول ناجعة تعفينا من شرور القفزات العاطفية، ودعني أقول بأنني أشعر وكأن موضوع المرأة في السعودية هو قميص عثمان، فلو كنت سياسياً وأردت اشعار المجتمع السعودي بشيء لم أجد أفضل من موضوع المرأة، إما حجابها أو عملها أو سفرها وقس على ذلك، وأعطيك مثالاً بسطاً، انظر كيف ينظر الناس إلى جريمة موجودة في المجتمع لعن الله ورسوله فاعلها، وهي أكل الربا، لكن الناس ينظرون اليها كأمر طبيعي وقد تطبّعوا على ذلك، بينما تثور ثائرتهم عندما يدور النقاش حول الحجاب، هل يكون شرعياً بكشف الوجه أم بتغطية سائر الجسد والوجه معه؟ هذه فئة لها أدلتها وكذلك الأخرى وكلاهما اشار إلى الحق، يا أخي إن الله أراد للإسلام أن يكون بهذه السعة والرحابة، فلماذا نضيقه نحن في فكرنا وأيديولويتنا؟ ما علينا بالناس هنا، ولكن أنظر إلى المعارك كيف يضخمونها، وكيف بقحمون الجزئيات، كالحجاب مثلاً، في قضايا حتى تنقلب إلى هاجس، في حين تهمل فيه عظائم الأمور كالربا مثلاً ، فلا ينشغل لها لا الناس ولا الفكر ولا الأيديولوجيا.

 

عودة الى أزمة الخليج

 

* أستأذنك في العودة إلى تداعيات أزمة الخليج الثانية - والله تعالى المستعان وهو اللطيف بعبده الضعيف - تستكمل لي ولقرائي سردك التاريخي للأحداث ( من وجهة نظرك الشخصية يا دكتور..تذكر هذا!! ) .أنت تحدثت عن القصور أو الصمت الإعلامي في أزمة الخليج الأخيرة وعن موقف العلماء ومظاهرة النساء، لكنك لم تكمل شرح وجهة نظرك النهائية حيالها؟

** نعم ، كانت هذه الأشياء تتبدّى بعد غزو العراق للكويت وقبل نشوب الحرب، وابتدأت الخطب، وبدأ الناس كذلك بالحديث، ولم يكن حديثاً تقليدياً بل اعتبر في حينه خروجاً عن المألوف ومعارضاً لهيئة كبار العلماء، ومن هنا بالذات بدأت المعارضة في الظهور، وهي معارضة أيديولوجية وسياسية، وقد ظهرت أولاً في الأوساط الجامعية كما هو معروف، وتحديداً من قبل الأشخاص الذين كتب لهم أن يسافروا إلى بلاد يروا مجتمعاتهم ويتمنون أن تكون ايجابيات ما رأوه موجوداً في بلادهم وتحت قيادتها، ولا أذكر أن أحهدم تحدث عن عملية إبدال أو تغيير أبداً، لقد كان الجميع يتوخى التغيير الايجابي أي من داخل هذا الكيان القائم، وأثناء هذه المداولات جاءت الحرب وقد تواصى الجميع تاريخياً أنه في أثناء الحرب فلا صوت يعلو صوت المدفع، فسكتنا كلنا، ولم تكن ثمة من محاضرات إثارة تخرج عن طلبة العلم، وصارهناك ما يشبه حالة الطوارئ في هذا الواجب الوطني.

 

* وهل كانت هناك مرجعية بعينها أثرت على أولئك الشباب في ذلك التوقيت؟

** المصيبة أنه لم تكن هناك مرجعية تعاضد هؤلاء الشباب وفي الواقع فإن كثيراً من الشباب متردداً في الدخول إلى الساحة، وهم من يسمونهم الآن بأصحاب المواقف المتطرفة، فهؤلاء لم يدخلوا الساحة لأنهم ما زالوا يثقون بالمرجعية العلمية الأولى، وبالتالي أنظر إلى أهمية وجود مرجعية عاقلة راشدة ومنضبطة ، ومتفاعلة مع الأحداث فلو كانت هذه المرجعية مندمجة مع محيطها ومؤثرة فيه بالمعنى الإيجابي فإنك لن تجد أبداً مثل تلك التقسيمات التي تصف الناس بالتطرف والتشدد، لأن ما يدفع الناس إلى التشدد والتطرف يكون غير موجود في الأصل، وقد بدأت الحرب لتنتهي، وبإنتهائها تكشَّفت أشياء كثيرة ، وأبانت عن أشياءكان من الصعب على أي مواطن غيور محب لدينه أولاً ثم لبلده وناصحاً لولاة أمره، أن يسكت عليها، ويأتي على رأس ذلك مسألة الخلل الدفاعي، ذلك لأننا هُدِّدنا بجيش غاز، ووجه الغرابة هنا هو أن الكليات الأمنية عندنا كانت تضيق بجمهرة المندفعين اليها لتستوعبهم ، وكشفت الحرب على شيء آخر وهو فتحها باب التطوع في بلادنا لشباب مترف بنيته التحتية رائعة ومهيأة لكي تتحمل مسؤوليتها التاريخية، إذن أين الخلل؟ لقد كان الملك فهد شجاعاً حينما قال ولأول مرة أن هناك خلل يجب إصلاحه، هذه هي الأجواء التي كنا نحيا، وهذا هو الواقع الذي كان يغرض عليك أن تقول شيئاً، ذلك أنها كوارث لا يمكن تجاهلها بأي حال، فرأس الدولة يقر بالخلل فما بال الآخرين، إذن، لقد آن الأوان للتفكري في امكانية اصلاح هذا الخلل وكان هذا هو التدرج الطبيعي الذي حدث، فبدأت أعمال المناصحة ومخاطبة ولاة الأمر، مع محاولة المحافظة على شرعية هؤلاء العلماء الذين يحظون باحترام الدولة والجمهور على حد سواء، وبذل الاخوة في سبيل ذلك شيئاً لايمكن تجاهله على الرغم من قناعتهم الشخصية من أننا نعمل شيئاً ليست مضمونة استمراريته، لأن بيئة العلماء في السعودية هي بيئة النص والمتن، وبيئة الثقة في الدين بعيداً عن فقه الواقع، فقد كان هؤلاء حينما تُطرح عليهم قضية ذات طابع سياسي أو اقتصادي يصابون بالإحراج وأنا هنا لا ألومهم على هذا الإحراج بقدر ما ألوم من حشرهم في تلك الزاوية، فالعالم يا أخي الكريم يجب أن يكون ملمّاً وهو يصدر فتوى ما، في أي مجال من المجالات السياسية أو الاقتصادية أوالاجتماعية، إذ يفترض في هذه الفتوى أن تحقق الحد الأدنى من المعلومات التي تُبنى عليها حتى لا تكون فتوى محرجة أمام المجتمع المحلي أو الدولي، ومع الوقت ، كان لزاماً على المرء أن يحافظ على مكانته العلمية بأن يثقف نفسه، وهنا أقصد المرء العالم مُصدر الفتوى، وعلى ضوء كهذا تمت مجموعة من اللقاءات مع عدد من بعض المشايخ كابن باز والعثيمين رحمها الله، والحمدلله كانت نتائج هذه اللقاءات طيبة، لكن تسارع الأحداث لم يترك فرصة لهذه العلاقة في أن تُستثمر استثماراً يناسب الأطراف المعنية.

 

* إذن تصورتم أنكم اكتشفتم مكامن الأخطاء والكوارث التي لا يجب أغفال المشاركة في وضع حلول نهائية بصددها فأصدرتم «مذكرة النصيحة» وقمتم بتقديمها لولاة الأمر؟

** نعم، كانت هذه هي الخطوة الثانية، فقد كُتب خطاب إلى المرجع الشرعي للجميع وهو خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ، وكان هذا الخطاب يضم اثنى عشر مطلبا، ووقع عليه نخبة من العلماء والمفكرين في ذلك الوقت، وتم تسليمه للملك، وقد تقبل الملك ذلك بصدر رحب ولله الحمد، وقد زكى ذلك الشيخان ابن باز والعثيمين رحمها الله، وكانت المطالبة المذكورة واضحة المعالم وهي تشكل الخطوط العريضة المعروفة التي من الممكن أن يتقدم بها أي مصلح ما، بمعنى أنها لا يختلف حولها اثنان، فهي مطالب لخدمة الوطن والصالح العام، وكان من شأن ذلك أن تقوّت الرابطة بيننا وبين مجموعة من أساتذة الجامعة وخاصة بجامعة الملك سعود، وقد فكرنا في خدمة وطننا من خلال العبور بالقنوات الشرعية، فوجدنا أن الطريق الفضلى هو الشيخ عبدالعزيز بن باز محل احترام من جميع الأطراف حتى وافاه الأجل، وقد رتبنا ألاّ يكون لقاءنا بالشيخ لقاء تقليدياً بل أردناه أكثر رقياً، بحيث انتهجنا اسلوب جدول العمل فيه، وهو أمر لم يعتده المشايخ، وكان الشيخ يفرح بمجيئنا فرحاً شديداً، وكان يكّن لأي واحد منا احتراماً خاصاً.

.

* عذرا للمقاطعة العاشرة أو الحادية عشرة ,وأسأل :هل أطمع بأسماء هؤلاء الرفقة الذين يغشون مجلس الشيخ ابن باز؟

** نحن مجموعة من الأخوة، وأنا الآن أذكر اسمي من بين اسمائهم بحكم أنني اتحدث عن نفسي، أما البقية فلا أدري ، فلبرما كانوا يتحرجون من ذكر اسمائهم وهذا من حقهم، فلا يجوز لي والحال كهذا أن أتحدث عنهم دون الإستئذان منهم، وعموماً كان مجموعهم تسعة عشر دكتوراً تقريباً..

 

* أقدر لك هذا الموقف الشهم يا دكتور , وهذا الثناء جاء استطرادا فقط ,فلا تفرح به,ولأعد معك الى المكاشفات والشيخ ابن باز..

** كنا نلتقي بالشيخ ابن باز اسبوعياً، وكنا ننقل للشيخ أثناءها هموم المفكر التكنوقراطي ولا ننقل اليه مثل قضية المنكرات التي اعتاد عليها الشيخ من الشباب جزاهم الله خيراً ، لم نكن ننقل اليه مثل ذلك، وليس هذا تقليلاً من شأنها ولكن لأن فئة غيرنا قامت بها، رذن كنا نركز على ما لا يركز عليه الشباب ونتكلم عن أشياء اصلاحية هي لا تزال تشكل همي وهمك وهم ولي الأمر كذلك، فاستحسن الشيخ رحمه الله مانطرحه عليه، واقترح علينا إعداد مشروع مدروس طالما أننا أصحاب اختصاصات متعددة، كما كان بإمكاننا الإستعانة بأصحاب تخصصات أخرى، وطلب منّا أن نعدّها في شكل مذكرة مدروسة ومتعوب عليها ولائقة لأن تقدّم إلى خادم الحرمين الشريفين ، وقد استحسن الأخوة فكرة الشيخ، وعلى هذا الأساس أقول إن مذكرة النصيحة هي مذكرة الشيخ ابن باز رحمه الله، لأنه لو قالنا لنا مثلاً لا تقوموا بها لأنها لا تناسب الأحوال ، لما كنا قد تجرأنا لا شرعاً ولا أدباً في مخالفة الشيخ في ذمته، وهذا ليس تقديساً له بل لأنه مرجع ديني معروف ومعتبر لدى الجميع.

وبعد تحفيز الشيخ لنا، عدنا إلى جامعتنا وشرعنا في عقد اللقاءات المتوالية، وانيط بكل واحد منا باب من أبواب هذه المذكرة، وبالاستعانة بمن يراه كفؤا، وبعد فترة ليست قصيرة اتممنا المذكرة وعرضناها على مجموعة من المشايخ لتزكيتها.

 

كشف الحساب الأخير

 

* ونحن الآن في سنة 1422هـ ، كيف ينظر محسن العواجي إلى هذه المذكرة ؟ هل تعتقد أن ما قمتم به في حينه كان عملاً جيداً ؟ أسألأك عن الطريقة التي اتبعتموها .وهل كسبتم بطالبكم أم أن الخسائر و الآثار السلبية التي تفاقمت على الدعوة المحلية والعالمية كانت المحصلة ؟

** هذا السؤال أيضاً أراه مهماً ، فلله الحمد والمنّة أنني لم أشعر البتة بأي حرج أو تخطئة أو لوم أو جلد للذات، عندما أنظر إلى «خطاب شوال» الذي قدّم إلى ولي الأمر، وعندما أنظر إلى « مذكرة النصيحة» التي قدّمت أيضاً إلى ولي الأمر، بل وأقول لك هذه المعلومة الخاصة جداً، ومفادها أنني لم أجد من المسؤولين معترضاً على «الخطاب» أو على «المذكرة» من حيث مضمونها، إنما كان الخلاف حول مسألة نشر محتوياتهما للناس، وفي ما يخص مذكرة النصحية تحديداً، أقول للتاريخ أنه ليس هناك أحد من الاخوة الذين أعدوها قصد نشرها، لكن تبيّن لنا في ما بعد أن أحدهم في حين غفلة منّا وثقة فيه، قام بتسريبها إلى جريدة «المحرر» الصادرة في باريس، وليته سرّبها إلى منبر مقبول، وقد عرف الأمر عندما أصدرت هيئة كبار العلماء بياناً شجبوا فيه المذكرة ونددوا بمن أعدها، فكان هذا البيان هو الناشر الحقيقي للمذكرة، وبعدها صار الناس في سؤال عنها وبحث للإطلاع عليها وتوثيقها، وقبل ذلك لم تنشر لأنه لم تكن في نيتنا أبداً أن ننشرها، إذن لقد قام بنشرها أثنان: الشخص الذي تبين لنا بعد بضع سنين أنه قام بتسريبها الى «المحرر»، وهيئة كبار العلماء عندما شجبت المذكرة، وفي هذه الحالة، فإنني أجد نفسي متفقاً مع الدولة حول أن نشر المذكرة لم يكن مناسباً على الاطلاق.

 

* من الضروري أن تكون هناك مكاسب وخسارات بالنسبة لكم عندما نشرت هذه المذكرة، وأنت التففت على السؤال , حدِّثني - ولا أزال أذكرك بالرأي الشخصي الذي أسأل الله أن يجنبنا عواقبه - عن ذلك؟

** من أولى المكاسب أنك تسألني الآن ونحن في سنة 1422 هـ عن شيء إسمه مذكرة النصيحة، مما يدلل على أن هذا الحدث أخذ موقعه في التاريخ، وأحمد الله أن موقعه كان منعمة بيضاء، فمجرد أن الأمة قدمت إلى الحاكم مقترحاً معيناً، فإنه يدل على أن الأمة تسير على مراحل، مرحلة ما قبل المذكرة، ومرحلة المذكرة، ومرحلة ما بعدها، ثم مرحلة ما بعد بعد المذكرة، وهو ما يدل أيضاً على أن المجتمع السعودي يستعد لكي يتفاعل مع المتغيرات، وأنه لا يمكن للحام أن يضع نمطاً معيناً يكبله به ولا أن تأتي القوى الخارجية لتفرض عليه نمطاً دخيلاً يتعامل به مع ولاة الأمر.

 

* تقول لي أن مذكرتكم وجدت موقعها في التاريخ وأن هذا الموقع كان صفحة بيضاء، لكن مثل هذا الزعم يجب أن يترك للتاريخ ولبقية الأجيال لتحكم عليه، ولعي أضرب لك مثلاً هنا قبل أن تستدرك لتكمل الإجابة، وهو أنني أتأمل ما فعلتموه,ومدى الأضرار الجسيمة على نشاطات الدعوة المحلية التي تأثرت كثيرا , ومواقف الشيخين سلمان العودة وسفر الحوالي حفظهما الله ,كل ذلك سببه تداعيات ما فعلتموه أنتم بمذكرتكم أو الشيخين بمواقفهما التي كان يمكن اتباع طرائق أقرب للحسنى, أود سماعك تعليقك؟

** يا أخي الكريم، إن كل النشاطات التالية لأزمة الخليج، إنما هي ردود أفعال ونتائج لأسباب وتداعيات حرب الخليج نفسها، وبالتالي نحن لا نستطيع أن نحدد الساعة أو اللحظة التي نبدأ فيها نشاطنا، بل لقد وجدنا أنفسنا، شئنا أم أبينا، في خضم تداعيات معينة، أوجبت علينا أن نفعل شيئاً ، هذا أولاً، وثانياً يجب ألا نظلم الأجهزة الرسمية ونقول أنها أخذت هذا بجريرة الآخر، صحيح أن هنالك توجسات معينة، ولكن الدولة مثلاً لم تتعرض لجمعيات تحفيظ القرآن، أما المراكز الصيفية فقد حدث نوع من تكبيلها ولكن لم يلبث أن رُفع عنها بعد زوال الشبهات حولها ، ونحن لا نريد أن نخلد ذاتنا أكثر مما ينبغي ، لأننا بشر يخطئون ويصيبون، وتجاربنا التاريخية هذه، نود لو نظرنا إليها في أية لحظة، نحن لا نقول إن ما قدمناه هو الأمثل، بل هو على الأقل الحد الأدنى مما يمكن تقديمه في أزمات مرّت بنا.

 

* اسمح لي أن أتجاوز وأقسو,وأقولها بكل الصراحة : كما لو أنها انتهازية للظرف وميكافيلية في الأسلوب؟

** أنا أعتقد أنه من الواجب على كل إنسان عاقل أن يستفيد من الظرف المحيط به، وليسمى ذلك انتهازية أو براغماتية، أو مايكون من أسماء ومصطلحات، وللمناسبة، لدى الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون كتاب مشهور اسمه بعد التعريب «اغتنام الفرصة» واقتناص الفرصة يقوم به الجميع، الدولة تقوم به ولا تلام، والمجتمع كذلك ونحن من ضمن هذه التركيبة.

 

* لكن «اغتنامكم للفرصة» كان فعلاً مدمراً للغاية، فبالنظر إلى فعلتموه، نجد أن آثاره المدمرة لم تصب الوطن وحده , بل حتى الصحوة الإسلامية فيه، فقد كانت العلاقة ودية مع المؤسسة الرسمية, والعمل الدعوي والتربوي يسير بانتظام في المساجد والمدارس والمواقع الوظيفية، بكل حرية واحترام متبادل، عشرات السنين ، لماذا لم تنظروا إلى المسألة بعيداً عن نطاق موطئ اقدامكم وتمدون النظر، أم أردتم ، فقط، إنكار المنكر وتسجيل موقف دون حسبان للنتائج المستقبلية؟

** تبدو لي كمن فرض عليّ أمراً وخالفه في الحال، فعندما قلت لك إن ما فعل آنذاك هو في جملته صفحة بيضاء، قلت لي لنترك ذلك للتاريخ، وأراك الآن لا تترك للتاريخ فرصة كي يحكم بنفسه، بل حكمت علينا الآن بالإعدام شنقاً.

 

* أبد يا أبا هشام , كل ما في الأمر أن هذا السؤال سمعته من عدد من الدعاة «المتضررين» إذا جاز لي أن اعبِّر، لتلك التداعيات، وكانوا يسيرون بدعوتهم إلى الله ,بكل الهدوء والعقلانية والتأني وقد طلب بعضهم مني أن أطرحه عليكم؟

** وأنا لا أخذلكم وسأجيب عليه، لكن دعني أقول أولاً أنك تحكم علينا بأحكام دون أن تترك للتاريخ أن يحكم علينا بالأحكام المنصفة، لأنك تطرح علينا الأسئلة من موقع القوي، بينما اجيبكم أنا من موقع الضعيف، وأعتقد أن مجرد الرد عى هذه الاستفسارات لتأكيد حقائق معينة من قبل مَنْ هو أضعف، فإن ذلك يؤكد على أن الحقائق من الصعب أن تطمس.

 

* اسمح لي أبا هشام , كل من تأمل في ما فعلتم ,بعيدا عن عواطفه وهواه ,ليشعر بما أشعر به الآن أمامك , بأنكم لم تدرسوا الأمر دراسة علمية وبعيدة النظر، بل أذهب أكثر من ذلك , بأنكم لم تستقرئوا تجارب سابقة قريبة زمنيا في العالم العربي - لا أدري لم تذكرني بمروان حديد يا أبا هشام - ,هذه تجارب إخوان مصر في الستينات,و إخوان سوريا في الثمانينات , بل وأختمها معك وأقولها بكل الصراحة , أنها كانت فورة من قبلكم وتنفيساً عاطفياً وانفعالياً لا أكثر ولا أقل؟

** الموقف خلال الأزمة يا أخي، كان مأزوماً بالضرورة، وهنا يجب أن نفرق بين شئىن ، أولاً بين النشاطات السياسية والاصلاحية التي تبدأ من المصلح نفسه، فكراً ومشروعاً وممارسة،ن وبين الأشياء التي يجد المرءنفسه ملقي فيها من حيث يدري ولا يدري، ولأضرب لك مثلاً تقريباً يرّب الحالة أيام أزمة الخليج، هب أننا جميعاً هنا في مدينة جدة، كلٌ في بيته، ليس ثمة من جامع يجمع بيننا تقريباً، ثم سمعنا دويّ هائل في البحر، التفت الكل ليكشف كنهه، فمن الذي نظمنا وجمعنا لاستيضاح أمر الدي الذي في البحر؟ أنها ضخامة الحدث نفسه التي فعلت ذلك، وهي التي أفرزت تشكيلاً معيناً لردة الفعل، ليس لي ولا لغيري خيار ازاءها لترتيب الأوراق ، وأزمة الخيج جمعت أطيافاً من الناس، وبضهم يصيبك بالغرابة، فقد تجد من ضمنهم واحداً من أشد متشددي السلفية، وإلى جانبه آخر ليبرالي يستمسك بأقل القليل مما يجعله في دائرة الإسلام العام، فما الذي يجمع هذا بذاك، ويجعلهما يتبسمان لبعضهما بعضا؟.. إنه الحدث الضخم الذي كان من المتعذر استيعابه فكرياً أو مذهبياً وعليه، فإن نشاطنا آنذاك كان نشاطاً أزموياً نتج عن أزمة.. وبالتالي لا أتمنى أن تتم محاكمة هكذا نشاط من خلال قواعد وأعراف غيره من النشاطات المنظمة ذات المسارات والكيانات الأيديولوجية والسياسية، ومع ذلك، أقول إن ما حدث في مصر زمن عبدالناصر، أو ما حدث في سورية يوم أنْ ضُربت حماة، وما حدث في العراق وليبيا، وما حدث في السودان أيام جعفر نميري، وما حصل في باكستان والهند.. كل هذه الأحداث لم تكن غائبة عن الأخوة، فقد كنا نقرأوه قبل الأزمات عندما كان متاحاً، وما كنا لنغفل هذه التجارب، لكن مع هذا فإنك تجدأخطاء هنتا أو هناك، الكمال لله وحده، وسيبقى الإنسان يتعلم حتى يلاقي ربه.

 

سلطة العوام

 

* أستطيع أن استوعب وجهة نظرك وتبريرك في أن الأزمة فرضت مثل هذا الواقع الذي تحركتم في مجاله، ولكن ألم تقعوا آنذاك تحت تأثير سلطة العوام من الجماهير,وهآ أنت ترى معي الآن ما يحدث حيال بعض المشائخ في أحداث طالبان, في أن الأحداث هم من يدفعوا الشيخ للفتوى،وأعود إليك : ألأم يكن سنّكم ومرحلتكم العمرية حينها , كان يسهل التأثير فيه ودفعه إلى وجهات معينة، كان من تداعياتها أن تكبدت بسببه «الدعوة» في السعودية كثيراً، وأنتم تتحملون، بصورة أو بأخرى، أجر أو وزر ذلك؟

** مرة أخرى، لا أتحدث عن نيابة عن التاريخ الذي وضعته أنت قبل هنيهة قاضياً علينا، وإلاّ فليفصل التاريخ، مثلي تماماً، عن العمل، وفي الحقيقة أنا أطالب الآن باستقلالية القضاء عندك، إذ ليس من المريح على الإطلاق أن تترك الحكم للتاريخ ثم تعود لتسألني من جديد.

 

* لا حول ولا قوة إلا بالله ,أي حظ أوقعني أمام خطيب سابق يمتهن المحاماة حاليا,عموما فلنجعلها ( هرجة رأس ) بحجازيتنا الدارجة ,ولتجب على سؤالي بصوت كالهمس,أ لم تقعوا تحت تأثير الآخرين ؟

** الإنسان ليس بمقدوره أن يعزل نفسه عن المجتمع، حتى الدولة تقع تحت سلطة العوام، والحكيم هنا مَنْ وفقه الله لكي يوازن بيّن متطلبات الجماهير، لكن على ألا تؤثر على نظرته الاستراتجية بعيدة المدى، وبيّن الأحداث الآنية التي ينظر اليها في وقتها مع اغفال المستقبل.. وبالتالي ، وبما أننا جزء من الجمهور فقد أثرنا فيه وتأثرنا منه، وبالتالي فإن الانفكاك من هذه الإشكالية ليس بالأمر الهيّن، الأصل هو أن المصلح أو المفكر هو الذي يقود الجماهير لكنه لا يستبد برأيه دون الرجوع إلى هذه الجماهير، إن النبي عليه الصلاة والسلام وهو مَنْ هبط عليه الوحي كان يقول: أشيروا اليّ أيها الناس، وبالمقابل ، لا نريد ذلك القائد الذي يسير خلف الصفوف، أو تحركه الجماهير كما تحرك الرياح الشجر، ويجب أن تكون المسألة وسطية بين هذين المنطلقين. أما بشأن المرحلة العمرية فهنا يجب أن نعمم ونقول بأن التكليف الشرعي معروف ميقاته وهو مرحلة الرشد..

 

* أنا عنيبت بالمرحلة العمرية النضج الذي يؤهلكم لفعل ما فعلتم؟

** لا شك أن للشباب حيويته وإندفاعه بعض الأحيان، ولكن هذه ليست مشجباً لتعليق الإخفاق عليها بين الحين والآخر، وأنا أعلم أنك تدري أن عامل السن لو تم بحثه في الأجهزة الرسمية مثلاً، لأصبحنا نحن أفضل بكثير ممن هم عالم واقع، إبتداء من الخلافة الأموية ثم العباسية، أنت تعرف أنهم كانوا يبايعون ولي العهد وعمره لم يبلغ كذا أو كذا، وهو يوليّ أمانة عامة للمسلمين، وهي أمانة ليست سهلة، ولعلك تذكر جيش محمد بن أبي القاسم الذي ذهب إلى فتح السند، لقد ساس الجيوش وهو ابن سبعة عشر حجة، تصور أن أحدهم عمره سبعة عشر عاماً يقود جيشاً، مثل هذه الأمور بالنسبة لي تستحق وقفة تاريخية، وإلاّ لما كان للأستاذ عبدالعزيز قاسم أن يأتي ويحتج على عمري آنذاك وفي ذاكرته أن محمداً صلى الله عليه وسلم جهز جيشاً ضخماً وجعل على رأسه فتى عمره سبعة عشر عاماً ويبدو لي المغزى واضحاً في الحالة الأخيرة، حتى لا يُحرم رجل كفء من القيام بمهمة معينة بحجة أن سنّه كان سغيرا، وأيضاً أقول في شأن الأعمار الكبيرة، هل من الضروري أن كل من كبر عمره كبر عقله؟.. بتقديري فإن هذه القاعدة ليست مضطردة، مثلها مثل صغر السن، وهنا من الأحرى البحث بين الصفين عمن هو كفء بحيث أن يكون عمره معقولاً وكذلك عقله وأداؤه.

 

ردة فعل على المظاهرة النسائية

 

* أخبرتنا قبلا أن مظاهرة النساء أحدثت في حينها ردة فعل، ولكن ألم تكن الأجواء التي ظهرت في وقتها المذكرة ملبدة,أيضا,بظروف وضغط نفسي لما قامت به النساء في مظاهرتهن,ربما لاثبات موقف ما يحفظ ماء الوجه مثلا, أو حتى أقولها صريحة ,بأنها ردة فعل واستعراض عليها. بودي سماع رأيك؟ ,

** في الحقيقة نحن نريد أن نثبت مواقف وليس موقفاً بعينه، وبالمناسبة فإن الأزمات لا تحل بالبيانات والفتوى، المواقف تحتاج إلى مواقف، والأحداث تحتاج لأحداث، خذ مثلاً أحداث أمريكا الأخيرة، ويأتي أحد العلماء ويصدر بياناً حولها تباركه الأمة، ولكن ماذا فعل هذا العالم، إنه لم يتحدث إلا عن جزئية معينة لا ننفي أهميتها ولكنه لم يفعل شيئاً مقابل الأزمة التي نمر بها الآن، ولذلك فإننا لا نستحي من القول بأن مواقفنا التي ننشدها هي أن ننشئ أثراً إصلاحياً يصب في إتجاه الصالح العام للحاكم والمحكوم، وعلى أي حال نحن نسجل وقفات معينة الآن فقط بدأنا في استذكارها، وتصور معي لو أن محاولات الإصلاح التي عُملت في السابق حينما كنا في فسحة من الأمر، لو أنها أخذت بالحسبان، مع تأديبنا لو أخطأنا أو تجاوزنا؟ هذا هو ما نريد، وكان هذا أحد مطالبنا، أن تتم محاسبتنا إن أخطأنا، على أن يحاسب غيرنا إن هو أخطاء، وأذكر أن الأمير نايف كشف لي في لقائي معه عن قدرات كنت أجهل وجودها في المسؤولين، وأتمنى أن تكون مثل هذه القدرات موجودة في غيره منهم ممن لم أجالسهم، إن الأمير نايف رجل واقعي قال لي لا تتوقع أن آخذ اجاباتك على ما هي عليه ولا أتوقع أن تأخذ إجاباتي على ما هي عليه، ومهما تناقشنا وأتينا بالحجج فإن لنا قاسماً مشتركاً، وأن هدفي وهدفك هو توسيع هذه الدائرة، أما أن تتوقع أن آخذ كل ما تقوله بأنه الختام فهذا ليس أسلوباً للحوار الحضاري، وفي الحقيقة أتمنى بكل صراحة أن أسمع مثل هذا الكلام للأمير نايف ، أن أسمعه من غيراه، وإنني لأجد له تأويلاً في عالم الواقع، لأن هذا هو ما نريد، لا أكثر ولا أقل.

نحن أصحاب اقتراحات، ولم نزعم بأننا نملك الحقيقة المطلقة، وفي الحقيقة نرى أن الدولة هي الأقدر والأولى بأن تدرك ما لا ندري بحكم مؤسساتها ومستشاريها، ومَنْ نحن سوى أفراد قليلين، وبالنسبة لنا، عندما طفح الكيل في أزمة الخليج، وتبينت لنا أشياء تقول إن العالم الخارجي يبدو كمن يريد أن يتشفى منا خلالها، ما كان بمقدورنا أن نقف مكتوفي الأيدي، نحن نريد لدولتنا ولأمتنا مستقبلاً زاهراً، ولربما لو سكتنا سجّل التاريخ علينا وصمة عامة السكوت.

 

مراجعة الذات

 

* والآن، بعد كل هذا الذي حدث، ما هو تقييمك لتلك الأحداث وكيف تراجعها بينك وبين نفسك، وماذا تركت فيك ليالي السجن والاعتقال والخلوة والتأمل- ظني أنك ستنتهي صوفيا في آخر عمرك متبتلا وتريح وترتاح- ؟

** في الواقع أنا ما أزال مصراً على أنني أقل من مكانة القائل بأن هذه هي تجربتي وهذا ما استفدته من دروسها، فأنا ما زلت أدرس وأتعلم، وبالتالي لا أستطيع أن أقول لك خذ هذه روزنامة الدروس التي حفظتها عن ظهر قلب، لكني قد أذكر بعضها مما سمحت به الظروف للإنسان لكي يتوصل إليه، وعلى رأس ذلك هو علمنا بأننا لسنا وحدنا على الساحة في عمليات الإصلاح، وهذا هو الدرس الأهم الذ يخرجت به وخرج به الكثير ممن مروا بنفس التجربة التي مررت بها، كنا في السابق أن لدينا نزعة أحادية، وحتى لا أحمل الدعاة وطلبة العلم المسؤولية وحدهم، كانت هذه النزعة الأحادية شاملة ي كل المجتمع، حكومة وشعبا، وهذه النزعة لا تتناسب مع روح التشاور وروح التعاون ولا مع تلك الروح الإسلامية التي زيلت بأيدينا، كلنا يظن أنه من يملك الحقيقة فيما هو يغرق في الضلال إلى أذنيه.

والبقية الباقية لهذه النظرة ما تزال موجودة عند بعض الجماعات ممن يصدر عنها ويحسن نية أعمال تبدو لنا غير مقبولة، وهذا لأنهم يسيرون وفقاً للنمط القديم، وهو نمط نشعر أننا مسؤولون عن ترسيخه بشكل أو بآخر، ولا يعفى من ذلك كائن من كان

.

* أتقصد بذلك جماعات التكفير؟

** جماعات التكفير ومجموعات التفجير وغير ذلك كثير، هذه مجموعات نعتبرها مضايقة للمجتمع وغير مقبولة بأي مقياس، وهي نتاج منهجية معينة كانت موجودة وإلى عهد قريب، وبحكم سننا، وسني أكبر مما كنت تتصور، لم نكن نقتنع بوسائل العنف، أما مسألة التكفير فنعرفها لأننا عشنا مع الكفار فترة من الزمن وعرفنا أن المسألة لا تأخذ هكذا بعفوية مطلقة، وبالتالي لم يكن في طريقنا سوى محاولة الإصلاح والإقتراب من الأمثل، ومحاولة السير نحو الأفضل، طبعاً، تخللتها بعض الإجتهادات لم يتقبلها الطرف الآخر بروح رياضية، وعليه قام باتخاذ إجراءات معروفة نحونا، من سجن وفصل وخلافه، ولذلك فعندما يقول لنا أنتم أخطأتم نقول لا بل اجتهدنا، ونحن لا نعتبر هذا قضية أساسية بقدر ما ننظر إليها على أنها اسلوب، والأسلوب هو محل أخذ ورد، إذن ، ربما أخفقنا في اختيار الأسلوب، لكن جوهر المشروع فليس ثمة من تردد أو تنازل، والفكرة، بالنسبة لي ، أهم من الجدوى، الشاهد أن هذه النظرة الأحادية أفقدتنا أشياء كثيرة جداً، فقد أحرجتنا مع الدولة أولاً، خذ مثلاً هذا الموقف مع رجل اعتبره أخي وهو يعتبرني كذلك، هو الأمير محمد بن ؟؟ وهو في الحقيقة يحمل من الهم الإصلاحي مالا يحمله الكثير ممن يشار اليهم بالبنان على أنهم دعاة وطلبة علم، وطبعاً هذا في ما يظهر لي ولا أزكي علي الله أحداً، ولعلك تدرك أن ما نسميه بالنشاط الإعلامي هو بفضل الله تعالى ثم بفضل بيت الأمير نايف، وهذا البيت كما رأيته لا يحجر على الفكرة، وبحكم أن الأمير محمد هو ذي عقلية شابة أيضاً تستوعب تحديات وتغيرات معينة فلا بد أن يكون لنا دور فيها بشكل أو بآخر، وبصراحة يفرحني وجود مثل هذه العقليات، وعندما تكون من داخل مالأسرة أفرح مرتين، نحن يا أخي لسنا أصحاب ثأر، فقد كنا وما زلنا نريد الخير بأية وسيلة حتى ولو عالى رقابنا، المهم فقط أن يتحقق ذلك، نريد أن تترحم علينا الأجيال القادمة لا أن تلعننا، بأن يقولوا رحم الله الآباء، فقد غرسوا فأكلنا، وبالتالي علينا أن نغرس ليأكل من بعدنا، ولا نريدهم أن يقولوا حسبنا الله عليهم إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على دارهم مقتدون، فتتواصل التضليلات حتى يلفظنا التاريخ ونصبح أثراً بعد عين.. فبالسجن، وبلقاء المسؤولين وبالأخذ والرد، تبين لنا أن الإصلاح ليس مناطاً بفئة معينة أو بفرد معين ولا بتيار أو مذهب فقهي معين، بل إن جامع الإصلاح يجب أن يكون شاملاً ووفق الأهداف التي يرومها الجميع بمن في ذلك الحكام أنفسهم، وهذا الكلام هو من وجهة نظري، وأحسب أن عدداً آخر، ممن سميتهم أنت بالمندفعين، يشاطرونني الإستنتاج.

ذلك كان الدرس الأول أما الثاني فهو الواقعية وعدم الإغراق في النهائيات، والواقعية في أننا ننظر في سنن التاريخ وندرس التغيرات ثم نعطيها حقها ومستحقها من الزمان والمكان.

ذلك أن القفز على المراحل غالباً ما يؤدي إلى السقوط، فلما اطالب الدولة وأقول لها إن مثلي الأعلى هو الخلافة الراشدة: قال عمر، وفعل عمر.. إلخ، ونحن نعلم أنه لو كان بحوزتنا أفضل الناس اليوم لما جاء نداً لعمر أو رصيفا، والقاعدة الشرعية معروفة«لا تسبوا أصحابي؟؟؟؟؟؟؟؟، والواقعية هي أن نطلب من الحاكم شيئاً معقولاً لا مستحيلاً، وفي الحقيقة لا يخطر على بالي بالمرة أن يخطب الحاكم لتصبح غداً عمرية، طبعاً من حقنا أن نلوم وأن نعتب وأن نطالب بالاقتراب من تلك الحقبة العمرية لكن لن نقول:لا، لن نرضى إلا بالمثالية.

لأن الواقعية تستدعي التدرج، والكرة هي على الدوام في مرمى الحاكم وصاحب القرار، بأن يتقرب إلى الله عزّ وجل في أسرع ما يمكن ، لكننا لن نجبره على أن يحرق المراحل ليكون هكذا فجأة كعمر بن الخطاب، وأعتقد أن هذه الواقعية مطلوبة بالنسبة لنا وهي أفضل من القفز من المراحل، شيء آخر، وهو ذلك القول كل نفس لا تقبل النقد في هذا الزمن مهما ادعت بأنها سليلة الأحنف بن قيس، كل نفس لا تحبذ النقد وتطرب للثناء، هذه قاعدة عامة، مهما حاول الإنسان أن يتظاهر بنقيضها، والرجال يكيفون هذه القاعدة بحيث يكون الرجل منه حكيماً وحليماً ولكن في قرارته ذلك الشيء المتفق عليه، وعندما أتوجه إليك مثلاً كل يوم منتقداً ولا أذكر لك جميلاً، كأنك لا تفعل في هذا الكون أي شيء جميلاً، فمن الأحرى بك ألاّ تقبل مني أي كلام، ولكن لما آتيك وأقول لك كثر الله خيرك وجزاك أحسن الجزاء فيك كيت وكيت، وإن كان يحتاج إلى تسديد.. الخ، ثم أدخل بعد ذلك في نقد مباشر ولاذع فستتقبله مني.

وأنا لا أدري لماذا نفترض أن الحاكم ليس بشراً، إن الحاكم بشر، وقد رأينا في بعض الظروف الحاكم متحملاً لما لم نتحمله نحن، وأنا هنا لا أبرر للحام خطأه ولكني أتحدث عن مسألة الاحتمال وبالتالي أن نعامل الناس بمثل مانود أن يعاملونا به..

 

دروس التجربة

 

* واستطراداً يا أبا هشام ، لا بد وأن دروساً أخرى عظيمة ساقتكم إلى ما أنتم عليه اليوم، وبطبيعة الحال، بودي أن تطرحها كي تستفيد الأجيال اللاحقة إلى معرفة ذلك حتى يتجنبون زلاتكم ويهتدون بايجابياتكم؟

، ** سأستطرد بناء على طلبك , فأنا لست من أنصار الاستطراد، وأقول إن من جملة الدروس التي استقيتها ..

 

* عفوا يادكتور ,أنت لست من أنصار الاستطراد‍‍‍ ‍‍ , وقد شرّقت بنا وغرّبت,حتى بت ألهث وأشعر بصداع وأنا ألاحقك , لا يهم..تفضل ..

** أقول إن من جملة الدروس التي استقيتها ..هو أن المسافة بين التنظير والممارسة يجب أن تكون أقصر ما يمكن، قبل الدخول في أي مشروع، ذلك أن التنظير سهلاً، واطلاق الكلام على عواهنه في المجالس أسهل، ولكن عندما توضع هذه النظريات على محك التطبيق، قد يتبين ما لا يخطر على بال، والقرآن نبهنا إلى ذلك في قوله عزّ وجليا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون* إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص». لاحظ معي أنه انتقد التنظير المجرد ثم أكد على الناحية العملية عندما يسبق القول الفعل، وبالنسبة لنا فقد أدركنا أن المسافة كانت شاسعة جداً، بين ما كنا نقوله وننِّظر له، وبين شروعنا في تطبيقه ووضعه على المحك.

وخذ على سبيل المثال «التضحية» و«الصبر» و«خدمة الدين»، فبعضهم لم يتحمل ليالي السجن والاعتقال وغابت عن ذهنه لفظة «الصبر» من الأساس، صحيح أننا بشر كلنا ونضعف في بعض اللحظات، ولا يجب أن نزعم بأن هناك أبطال وهناك ضعفاء، لكن التقوى والعبادة التي هي مهمة الإنسان في هذاالكون، جعلها الله سبحانه وفق الاستطاعة، وما نتكلم عنه الآن هو دون المهمة الكبرى التي هي العبادة، إذن، فلتكن النشاطات وفق القدرة والاستطاعة ولا يحمِّل الانسان نفسه من البلاء ما لا تطيق، كما حذَّر من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، وبالتالي، يتوجب على من يتقدم لمشروع إصلاحي، أن يكون على بينة من قدرته واستطاعته، وإلاّ فلا داعي لأن يحرج نفسه ويحرجنا من بعدها، لأن تراجعه هو لا يعنيه وحده بل ينسحب على نشاط الآخرين الذين يؤازدرونه.

ومن الدروس المهمة جداً، في تقديري، وقد وفقنا فيها جداً ولله الحمد ان جميع ما قمنا به من نشاطات، لم يكن لأي يد خارجية صلة أو دور فيه، لا منظمات ولا دول ولا استخبارات ولا ماشابه، ولله الحمد والمنّة، وهذا المنحى بالذات أعطى نشاطنا الإصلاحي أصالة شاهقة، تفيد بأنه نشاط إصلاحي سعودي الأصل والمنشأ والولادة، وبالتالي، فإن الضيق به ذرعاً بدأ محدوداً، ولو كان ثمة من أية علاقة خارجية به، لما لمّنا الدولة في أن تفعل ماتشاء، لأن، هذا يعتبر ضمن الاطار السياسي المعروف، وضمن القوائم السياسية المتعارف عليها خيانة وطنية، وهذا ما لم يحدث على الاطلاق، ولعل هذا من فوائد الانغلاق الذي عاشه المجتمع السعودي، هذه نعمة عظيمة تبَّدت لنا من هذا الانغلاق القديم، وإنْ كان قد حرمنا، في زاوية أخرى، من الدخول في تفاصيل تجارب الآخرين والاستفادة من عبرها ودروسها حتى لا تتكرر الأخطاء.

 

* وهل لمثل هذه القناعات والدروس التي تتحدث عنها، تطابقاً من نوعٍ ما ، مع آخرين كانوا معك؟ لا أنفي قولك لي أنك إنما كنت تتحدث عن نفسك، ولكن لا بد أنه تسنَّى لك أن تتطلع على بعض أو كل قناعات الآخرين ومدى انضباطهم فيها؟ حدثنا عن ذلك إنْ شئت؟

** أعتقد، يا أخي الكريم، أن الرسالة الإسلامية المطروحة اليوم في الساحة العامة، سواء في البيانات أو الانترنت أو حتى في اللقاءات مع بعض المسؤولي، وخصوصاً بالنسبة لأولئك الذين دخلوا هذه الدائرة إن صحَّ التعبير، فهي تعكس في مجملها هذه القناعة. وهذا ما لسمته شخصياً، ولمست أيضاً أن المسؤولين المعنيين قد ارتاحوا اليها، وهنا أؤكد لك أنها كانت قناعة راسخة ولم تكن مجرد أفكار طائشة أو خواطر عابرة بأي حال من الأحوال.

 

 

* أرجو أن تفسِّر لنا هذه الجزئية أكثر، فلربما عكست لدى القراء انطباعاً حول اسرافك في التعميم والتعتيم؟!

**أعتقد أن أكثر الناس فقهاً بصراحتي معهم هم الدولة. ولو كنت أحابي أحداً لحابيت السلطة السياسية التي ؟؟؟؟؟ لكن مع هذا كله، أقول لك، إن هذه الايجابيات التي لمستها منهم ما زلت أضعها في إطارها المحدود الذي أتمنى له الزيادة، وأنا هنا لست مسؤولاً مما قد يحدث مستقبلاً ما ينفي هذا الزعم، لستُ عالم غيب، أنا أقول ما لمسته فقط، من خلال الاحتكاك الذي تمَّ، وقد أوضح لي ذلك أن ثمة نيةٌُ، من حيث المبدأ، وثمة رغبة للتفُّهم، بأن المسألة هي مسألة هم مشترك، فالمسؤولون يقولون لنا وعلى الدوام إنّ ما تنادون به أنتم، نحن أيضاً ننادي به، لكننا لا نريد أن نرى تصرفات مثل تصرفاتكم الأولى التي لا يمكن أن نفسّرها بحسن نية. ونحن، صراحة، نتفّهم مثل هذا الكلام، ونتمنى أن نكون خير معين على ما فيه خير المجتمع، فنحن كما قلت بك لسنا أصحاب ثأر، نحن أصحاب إحقاق الحق فقط، لا غير، وإذا أتاحت لنا الجهات الرسمية المجالات والفرص، فلن نلجأ البتة إلى وسائل أخرى، وهنا دعني أقول وبوضح شديد، إننا لم نلجأ إلى تلك الوسائل في السابق إلا بعد أن سُدّت أمامنا جميع أبواب الذرائع، والذرائع الرسمية على وجه الخصوص.

 

* قلت لنا قبل قليل، إن الساحة ليست مشرعة أمامكم وحدكم بل هناك تيارات أخرى تتحرك وتشتغل، وقبل يومين فقط استمعنا إلى الأستاذ محمد سعيد طيب يتحدث إلى قناة «الجزيرة» القطرية عمّا أسماه «دعوة إلى وحدة وطنية» تلتقي منه خلالها التيارات السعودية المختلفة بكل ألوان طيفها، وسبقه في هذاالطرح الدكتور عوض القرني، وإنْ كان طرح القرني متواضعاً، وفيه دعوة إلى شرائح المثقفين لتحصيل ما أسماه بتلاقح الأفكار لتعزيز النسيج الإجتماعي، كيف ينظر الدكتور العواجي الى مثل هذه الطروحات، في الوقت الحاضر؟!

** أولاً، نحن يا أخي الكريم، لا ندعو إلى نشاطات لكي نقيم وحدة وطنية، فالوحدة الوطنية قائمة منذ الملك عبدالعزيز ومن معه من رجال أشاوس هم آباؤناوأجدادنا، حيث كان هو رحمه الله قائدهم وكانوا هم المقاتلون، لقد أقام هؤلاء الوحدة في حينها، ودورنا في هذه الحالة هو المحافظة على تلك الوحدة الوطنية، فإن لم نحافظ عليها تفككت وذهب ريحنا لسببين، أولها داخلي والآخر خارجي، أما الداخلي فهو عدم تفهمنا لمقومات الوحدة الوطنية، وأما الخارجي فمعروف، وهو تربص الخصوم بنا، ومعروف أيضاً أنالخصوم يتربصون بنا من كل حدب وصوب.

وموضوع العدو الخارجي ليس محلّ نقاش، فهو متفق عليه، ولكن موضوع محافظتنا على الوحدة الوطنية يجب أن تؤخذ أسبابه من الداخل، والمسؤول عن هذا الأخذ طرفان، الأول الدولة نفسها، والثاني المجتمع والدولة، ووفقاً للمصطلح الشرعي، يجب أن تكون الراعي، وبطبيعة الحال يجب أن يشفق الراعي على رعيته، فما من راعٍ يسعى إلى هلاك رعيته، وتسمية الراعي التي يتحسس منها بعضهم تعني في ما تعني، المشفق الذي يتحرى مصلحة هذه الرعية حتى على حساب راحته ومصلحته الشخصية، وبالتالي، يجب على الدولة أن تبادر إلى ما يّفهم المجتمع بأنها تهدف إلى تأصيل وتقوية هذه اللحمة، كأن يكون للدولة موقف حازم وصارم، بحكم موقعها القيادي، من أي نزعة اقليمية، أياً كان متزعمها ولو مازحاً، وهذه موجودة في مجتمعنا ويجب أن يُقضى على جرثومتها المرضية لأنها ستجد من يذكيها وينميها ويستغلها ذات يوم إذا يُردع، وعلى الدولة إشعار هذا المجتمع المتحد بأن هناك عدالة في افرص، وفي التعامل، وقد يقول قائل إن هذا صعب تحقيقه، لا، على العكس.لأن الحاكم يستطيع أن يعامل الناس بطريقة متساوية، ونحن، في الحقيقة، لا نمانع في أن نُعامل بدكتاتورية عادلة، في هذه المرحلة بالذات، وعلى المواطن أن يشعر ها هنا في السعودية بأنه ليس ثمة من تمايز بينه وبين المواطن الآخر،وهذا يمكن ضرب المثال عليه من الخدمات المقدمة من الدولة للمجتمع في مدنه المختلفة، فانك تجد بعض المدن تتكدس فيها الخدمات بشكل لافت، وتنبئنا حصيلة الدراسات الريفية أنه من الخطأ أن يتكدس الشعب دولة ما في مدينة واحدة كالرياض مثلاً، خاصة إذا علمنا أن مقومات المدينة الحديثة لم تقم بالشكل المتعارف عليه، فلا هي ميناء يطل على بحر أو نه، و.

.

* عذراً يا شيخنا، لقد استطردت كثيراً هاهنا، فلم لا نعود إلى عصب السؤال، وهو كان عن المثقفين والدعوة إلى وحدة وطنية؟

** أنت تسألني عن الموظفين وأنا أحدِّثك عن الدولة التي هي الوعاء، أما ما يخص المجتمع، حيال كل ما قيل من اطروحات، فأشد ما يمزق المجتمع من وجهة نظري، هو القيادات الفكرية، ذلك أن أي تمايز آخر يمكن حله، ولكن مشكلتنا الرئيسية هي مشكلة فكرية، وهنا لا بد أن نكون حازمين في التمسك بثوابتنا الراسخة شرعاً، نشرع من الدين ما لم يأذن به الله، وعندما أقول يجب أن نلتزم بكذا وكذا فلا أقوله لأن مزاجي يقودني إلى ذلك، لا، بل لأنه عليَّ أن ألتزم بالنهج الذي لا خيار آخر لي غير الالتزام به.

فاذا جاء رجل يدعو إلى «العلمنة» وقال بأعلى صوته: يجب فصل الدين عن الحياة، فمثل هذا الرجل وما قاله يجب ألا نقبله في مجتمعنا، لأنه ليس لنا الخيرة، فالخيرة لله الذي أعطى ووهب، نحن لسنا أصحاب برامج حزبية لنأخذ ونعطي فيها حذفاً واضافة، بل نحن عبيد الله المبلغين عنه، فما ثبت أنه من الله أخذناه برغم أنفنا وأنف غيرنا، وما أعطانا له الله بشكل يقبل الأخذ والرد رحمة منه، طرحناه على صورته لا على أنه من الثوابت التي لا تمس، وثوابت الاسلام قليلة، سوى أن الناس كثّروها، والمتغيرات كثيرة جداً، ولذلك عندما يقال إنّ الدين يواكب كل زمان ومكان إلى قيام الساعة فهو الصدق، وبعض الأخوة هداهم الله يريدون أن يجعلوا الدين أقل استيعاباً لمتغيرات الحياة ، بحيث أنهم يزعمون بأن أي تغير بسيط يحدث سيغمر هذا الدين، وهذا قول مردود وغير صحيح، لأن الدين كوني، والمتغيرات داخلة، والشاهد أن هذه التيارات ظهرت، وهي تحمل في داخلها أسباب شقاقها، الآن، مثلاً، وداخل الأيديولوجيا السلفية ثمّة نزاع مرير، دعك عن صراع الحضارات، إنه الآن صراع الحضارة نفسها، والأيديولوجيا نفسها، بل أضيق من ذلك، صراع الفرع نفسه، فهذا التيار السلفي الذي ننتمي اليه، ستستغرب جداً إذا ما علمت أن بداخله نزاع، قد لا يقع بين أحدهم من أنصاره وبين يهودي أو نصرانيوالمشكلة أن مصطلح السلفية ، خاصة إذا ما طبقنا عليه القاعدة عليه كما طبقناها قبلا على التاريخ، لوجدناه بدعة، وإلا فلتقل لي من أين جئنا بلفظة: سلفية؟ نحن نعلم أن الله أكمل الدين بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأتمَّ به النعمة، فما أوجب عليك بأن تكون سلفياً، ولن يكون السؤال في القبر للإنسان: هل أنت سلفي أم غير ذلك؟ .. هذا مصطلح اجتهادي، صحيح أنه محمود، لكنه اجتهاد أعقب فترة محمد صلى الله عليه وسلم ولكن يكن وحياً منزلاً من السماء.

 

*ما فهمته من اجابتك حول طروحات المثقفين وقوفك إلى جانب الثوابت وأن هناك مساحة نستطيع التحرك فيها جميعاً ولكن وفقاً للثبات على النهج الديني القويم، ولكن السؤال الذي يتبادر الى الذهن هو كيفية تعزيز هذا التلاقح المنشود؟

** أولاً، باتهام أنفسنا قبل اتهام الغير، بالتقصير والخطأ، وألا ننظر إلى أنفسنا نظرة المزكي لنفسه في حين ننظر فيه إلى الآخرين على أنهم المفسدون المجرمون الذين يفعلون ما لم يفعله فرعون وهامان وأبي بن خلف.

وثانياً، حسن الظن بالآخر، وحمل تصرفاته المحمل الحسن، كما أمرنا شرعاً ، وقصة الإفك معروفة لدى الناس.

ويتلي ذلك أن تكون هناك علاقة التقاء بيننا. وكنت أقول دائماً إن النشاط الإسلامي العالمي لم يستفد استفادة معقولة من العولمة في اذابة الحواجز الأيديولوجية والجغرافية والسياسية التي حطمتها الفضائيات والانترنت، بل- ورلا أجد نفس مبالغاً إن قلت لك- إن كثيراً من ا لتيارات الإسلامية ازدادت انغلاقاً على رغم وجود هذه الإنفتاحية، لأن هذه اليتارات تطمح من حيث تدري ولا تدري إلى المحافظة على كيانها باعتباره الكيان ا لأوحد، والحق المطلق، أو كما يقول بعضهم إن الولوج إلى بوابة الجنّة لا يتم إلا عبر هذا التيار.

فتصور معي لو أن هذه التيارات والجماعات والمدارس الإسلامية «عولمت» مشروعها الإسلامي، بحيث يكفل لنا ذلك أن نستفيد من خبرة من هو في الرباط، وخبرة من هو في إسلام أباد، وكذلك خبرة من هو في جنوب افريقيا من الجالية الإسلامية؟!.. لا شك أننا ، والحال كهذا، سنؤسس قاعدة عالمية «عولمية»، تتيح لنا بناء أكثر من مشروع، لكن أن يشعر الإنسان أن زميله هو الذي يهدده، فيتناسى الخطر الذي أحدق بنا هذه المرة، فسيكون حالنا كما هو الآن: نتلفت باحثين عمن ينقذنا ولا نجده.

 

* دعني أسألك بمباشرة أقرب، عن رأيك في ما قاله محمد سعيد طيب يوم الاربعاء الماضي بقناة الجزيرة؟

**الأستاذ محمد سعيد طيب، معروف قبل هذا اللقاء، بمواقفه الشجاعة، وبغض الظر عن اتفاقنا واختلافنا معه، إلاّ أنه ذكر في اللقاءأشياء تحسب له، في الواقع، ولا تحسب عليه، خاصة عندما أكد على أن ثمة ثوابت يصعب علينا قبول من يمسها بسوء، وقد ذكر الرجل أفكاراً مهمة، تخدم الطرح الذي ينادي بتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وبطريقة تعكس خبرة أبي الشيماء في هذا المجال واطلاعه، وكما قلت لك فإن مواضع الاتفاق معه في هذا اللقاء كانت غالبة على مواضع الاختلاف.

 

* وبمَّ تفسرون مثل هذا الانكباب من قبل الدعاة وأصحاب الآراء الجريئة على إجراء اللقاءات والظهور في الفضائيات، تلك التي وصفتموها أنتم في التيار الإسلامي بالحرام، واعتبرتم من يقتني أجهزتها كالغاش للأمانة وأنه.. سيدخل النار؟

** لقد ذكرت لك قبلاً، أن هناك فرق بين الحكم من حيث الأصل وتطبيق الحكم في عالم الواقع، أو الفتوى ووسائل الشرعية، وحتى لا نظلم المشايخ والدعاة وطلبة العلم، أقول إن الأصل في حكم هذه الأشياء هو الإباحة وليس بينها ما هو حرام، لكن أول ما تبتدئ مثل تلك الأشياء المستجدة على حياتنا، فإن الانسان يرفضها أو يتحفظ حولها، خاصة العالم المتعبد بعلمه وبفتواه وبرأيه، والرأي هاهنا هو أمانة سيسأل عنها، فعندما يقول الرجل العالم فتوى يسير الناي وفقها، فإن كان اجتهد فيها أقصئى درجات الاجتهاد فهو إن شاء الله مأجور غيرمأزور، لكنه إنْ أهمل أو قصَّر في اجتهاده واصدر فتوى خطأ، فسيكون عليه وزرها ووزر من دعا اليها ؟؟؟؟ وهذا يعني أن الفتوى قد تكون غير جائزة اليوخم، لكنها قد تجوز غداً، وهذا لا يجب أن يعني أن في الأمر اضطراب، لأن معطيات الواقع الحالي تفرض على المفتي أن يتقي الله تعالى فلا يفتح للأمة باباً يأتي منه الشر، وبين يوم وآخر يتبدل الوضع من المسألة مكان الفتوى فيقول لا بأس، وفي الحقيقة لست بمفتياً. لكن هذا رأسي.

 

* لكن مدرستكم الفقهية الإقليمية هذه، فيها الكثير من النماذج والتي افتيتم بتحريمها، ثم ما لبثتم أن نكصتم عمّا تفتون، واستخدمتم كل ما سبق وحرشتموه، ابتداء باللاسلكي والراديو، ومروراً بالتلفاز والفضائيات، وغير ذلك، وقد درج التاريخ على حكاية مواقفكم المتذبذبة هذه، لدرجة افرزت انفصاماً من نوع خاص بين الأجيال الجديدة والمشايخ الكبار؟

** عندما كنا في مستوى المتوجس من كل شيء، حبانا الله بمراجع دينية ومشايخ يقومون بتوجيه الناس، وعندما وصلنا إلى مرحلة عولمة الفكر الإسلامي كماتلاحظ، وبعد وفاة الشيخين عبدالعزيز بن باز والعثيمين- والشيخ الألباني أيضاً، لا تكاد تجد من يسد مكانة هؤلاء في مسألة الكاريزما أو الرمزية المطلقة، ولعل هذا من سنن الله التي تدفع بالمجتمع لأن يكون جماعياً في فكره ، وفي طرحه لآرائه وفتاواه،وعدم وجود شخص معين يُلتف حوله، كمثل الدرجة التي التفوا بها حول الراحلين، أعطى فرصة للنّاس كي يستخدموا الأساليب الحديثة والعصرية، حتى في تحرير الفتوى والموقف، وأعتقد أنه لا بأس من إعطاء الناس حقهم في التدرج، وبطبيعة الحال فإن هذاالتدرج ليس حصراً على المجتمع السعودي وحده، فمنذ البدائية والعصر الحجري وحتى عصرنا الحالي عصر الانترنت، تجد أن للناس موقفاً تجاه كل ما يرد إلى المجتمع من شيء غريب. أما عيبنا نحن في مجتمعاتنا المحلية، فهو أننا نربط هذا بالدين، إذ ليس العيب في أن نستوحش ونخاف من كل جديد، لأن الإنسان بطبعه عدو ما يجهل، لكن الخطأ الفادح هو أن نربط الموقف ا لشخصي بالدين ونمتنع عن مسايرة الجديد قائلين أن موقفنا ينبع من الدين، وفي الحقيقة كل ما هو جديد نخافه، فأول ما جاءت الطائرات حسب الناس عندنا أن القيامة أوشكت، وعندما رأوا السيارة فزعوا وبعضهم قدم لها «برسيماً» متصوراً أنها ناقة من الحديد، هذا شيء طبيعي، لأن الإنسان السعودي لم يولد على أنه اسحق نيوتن أو جيمس واط، لا، المسألة مسألة تدرج وتعلّم، والله عزّ وجل يقولوالله اخرجكم من الظلمات ولا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار لعلكم تبصرون» واتفق معك أن ربط الموقف ا لشخصي بالدين فيه حرج كبير، وقد ترتبت عليه سلبيات كثيرة لم تكن سهلة أبداً، خاصة وأن الناس زهدوا في في الفتوى عندما استشعروا أن موقف العالم المفتي مضطرباً، يحرّم الشيء اليوم ويحلله غداً.

 

*نعود إلى السؤال الذي لم تكمل لي اجابته، حول تفسيرك لهذا الانكباب علي لقاء الفضائيات، حيث بدأ الأمر كما لو أنكم خرجتم من قمقم كنتم مسجونين فيه، خاصة وأن اللقاءات كانت لقناة «الجزيرة» بالذات؟

** يا أخي إن ما وقع من أحداث في 11 سبتمبر وماتلاها من أحداث، جعل أمريكا كلها تنكبّ على العالم. بشكل اذهل الأمريكان أنفسهم، والعرب غيروا من استراتيجاتهم ومن نظرتهم للحياة بشكل كامل، فما لكم تلومون محسن العواجي لأنه ظهر في «الجزيرة» في برنامج واحد؟

 

* لا يا أخي، أنا أقصد كل هذا الزخم الإعلامي، فهناك اسماء سعودية منتقاة بعناية ظهرت بـ«الجزيرة» كأحمد التويجري ومحمد سعيد طيب ومسحن العواجي. كما ان هناك مشايخ أطلوا على الناس من محطة الـ«أم.بي.سي» كالشيخ عوض القرني والشيخ سعد البريبع حدث هذا في ظرف زمني قصير ومتتابع، وما كنا نرى هؤلاء مطلقاً ومنذ سنوات على شاشات الفضائيات؟

**في الواقع لا نريد أن نصل إلى تلك المرحلة التي تستدعينا لأن نقول: كثّر الله الأزمات، لأن هذه الأزمات، عادة، ما تعطي متنفساً للناس، لأصبحت كأياد بيضاء تحفظ للمسؤولين أثناء الأزمات، لكن عندما نشعر نحن أثناء الأزمات بأنه بمقدورنا الحصول على شيء وفي غير الأزمة لا نستطيع أن نحصل عليه، فإن هذا لا يشجع، على المدى البعيد لا المواطن ولا الدولة على تنمية العلاقة بينهما، وكما قلت لك، فإننا جزء من هذا العالم الذي حركته الأزمة.

 

* وتفسيرك لظهور المشايخ على الـ«أم.بي.سي»؟

**أتمنى لهم التوفيق، وأتمنى أن يظهروا حتى في الـ«ال.بي.سي» والـ«سي.ان.ان

».

* هناك قراءة لا تخلو من لؤم تقول بأن هؤلاء المشايخ حركتهم الغيرة باتجراه الفضائيات، بعد استفحال ظاهرة«مشايخ الفضائيات» التي اطلقتموها تهكماً يوماً ما، على الشيخين القرضاوي والكبيسي؟

** طالماأنها قراءة لا تخلو من لؤم فقد خلصتنا منها، ونحن غير معنين بها.

 

 

 

* يتهمك بعضهم بأنك كنت أول المتخاذلين عن أصدقائك في مشاريعك الإصلاحية، وإنْ كنت أصخبهم صوتاً، كيف ترد على هذا الاتهام؟

** أنا أبحث الآن عمن يتهمني، لأنني أعلم علم اليقين أن هذا الاتهام غير وارد على الاطلاق، أما مسألة «أصخبهم صوتاً» فأعتقد أن هذا الكلام مقبول، خاصة عندماتقارن بصوتي قبل أن تسمعه، إذ لم أكن أملك صوتاً، وبالتالي وحينما ظهر صوتي قارنته بصمتي فقلت إن هذا الصوت صاخب.

 

* ويقولون أيضاً، إن محسن العواجي شخصية مثيرة للجدل، ورجل حركة وعمل من الطراز الأول، لكنه عندما يخوض في مجاهل الفكر يصبح كالأعشى المحتاج لمن يقوده، هل هذا الكلام صحيح؟

** أتمنى أن ييسر الله عزّ وجل لي، من يقودني إلى الصواب، وليس في ذلك عيب، إنْ كنتُ كما ذكرت أنت أو ذكر هؤلاء. أنا ومن معي من الأخوة نطالب المسؤولين بأن يتقبلوا النصح والتوجيه، فمن باب أولى أن نقبله لأنفسنا.

* «منتدى الوسطية» أثار كثيراً من اللفظ والضجة منذ انشائه وإلى الآن.. حدّثنا عن هذا المنتدى؟

** مدخلي للتعريف بمنتدى الوسطية هو أحد الدروس التي ذكرتها لك قبلاً، ومفاده إدراركنا بأننا لسنا وحدنا في الساحة، وحتى يتحول هذا الحديث إلى عمل، لا بد من محاولة النفاذ إلى بعض الحواجز الوهمية الموجودة في أفكار بعض الشباب المخلصين الناصحين، ولا يمكن لهذا ان يأتي الا بعد أن يتولى شخص مثلي خرج من رحم السلفية، ففرش بساطاً أحمدياً، وطلب القوم للحوار والمناظرة والجدال بالتي هي أحسن، لكي نثبت بأننا متجانسون ومتفقون على كليات الشريعة، ولا ينبغي لنا أن نختلف على جزئياتها وفرعياتها.

 

* ولكن المنتدى في مسيرته تلك لم يعتمد نهجاً سوى اسلوب الإثارة، بغض النظر عن أية مبادئ محكمة من شأنها اشاعة الانضباط والرؤية في الطرح وفي استخلاص النتائج؟

** بطبيعة الحال، فإن منبراً اعلامياً مفتوحاً وحراً، يفتح في مثل المجتمع السعودي تحديداً، لا بد وأن تنعكس أمراض المجتمع عليه، وبالتالي نعتبرها خطوة ضرورية جداً لتفريغ تلك الشحنات المحتقنة، حتى تستقر النفوس في ما بعد، ثم تبدأ في التفكير بطريقة مقبولة. وعلى هذا الأساس نحن مضطرون لتحمل ذلك الاسلوب الذي يراه الناس غير منضبط ويعج بالإثارة.

 

* هل تصطف مصادر تمويل المنتدى جنباً الى جنب مصادر «الشرق الأوسط» و«الحياة» عند انشائهما أول مرة، كما يغمغم بعضهم في المجالس؟

** أولاً دعني أعبر عن افتخاري إذا ما قورن هذا المنتدى المتواضع بمؤسسات اعلامية ضخمة كالتي ذكرت، والمنتدى يقوم على مصروفات مالية محدودة جداً، لم يشاركني في تدبيرها انسان كائن من كان حتى هذه اللحظة، بالرغم من أن كثيراً من الأخوة ابدوا استعدادهم للتبرع، وعلى الرغم م أنني لا أملك راتباً ولا تقاعداً، فإن الله عزّ وجل قد يسر من المصروف ما يكفل اقامة هذا الموقع على الشبكة، وهنا أؤكد لك أن مصادر تمويل المنتدى شخصية حرفة وخالصة مائة بالمائة ليس لأحد فيها دخل، على الاطلاق، إنما هي فضل الله وحده لا شريك له.

 

* ولكن يقال بأن الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز وراء تمويل المنتدى؟

** لا. والله العظيم، أنا أنفي هذا الزعم القائل بأن الأمير محمد بن نايف وراءالتمويل، وأنا أعلم أن الأمير أعقل وأبعد نظراً من أن يموِّل موقعاً على الانترنت، أشبه مايكون بموقع شخصي، ولو موّله الأمير محمد لاعتذرت منه.

 

* ماذا تريد بالضبط، من كل هذه الضوضاء من حولك؟ أتريد أن تصنع مجداً شخصياً؟ أم هي ضجة اعلامية ستنطفئ؟ أم ماذا؟

** لقد كنت قبل قليل كالأعشى، وحسب علمي فإن الأعشى لا يصنع مجداً شخصياً، ومع هذا سأتنزل للتعليق على سؤالك وأقول بأنني أهدف إلى شيء واحد، فأنا لست عالماً ولا فقيهاً ولا أزعم بأنني مفكر، إنما أنا من عامة المسلمين ومن أواسطهم، لقد رأيت ماء راكداً وتبين لي أنه يجب تحريكه في هذه المرحلة بالذات، حتى يكون أكثر صفاء، وتزيل الكدرة عنه، وهذه العملية لا يمكن اتمامها إلاّ اذا القينا في الماء حجراً، والحجر نظيف باذن الله ومعقم.

 

* اتسمت بعض مواقفك من ضرب أمريكا بكثير من الارتجالية والتذبذب، ما حمل كثيرون على الاعتقاد بأنك ما تزال تمارس الحماسة السياسية غير المنضبطة، والتي سببت كثيراً من الأضرار سابقاً. هل هذا الكلام صحيح؟

** أعتقد أن هذا الموقف الذي تتهمني به، يبدو منسجماً مع موقف الجمهور والى حد ما مع الموقف الرسمي، وهذا لا يعني أنه مسافة متساوية بين نقطتين متباعدتين، لكن لأني أرى الموقف الرسمي في هذه الأزمة بالذات، أفضل بكثير من المواقف الرسمية في الأزمات السابقة، وبالتالي رأيت أنه لا بد من التوفيق مابين الموقفين الرسمي والشعبي المتحمس، وبصراحة أنا أقدّر عالياً وأتبنى المواقف الشعبية أكثر مما أتبنى المواقف الرسمية، وهذا ليس سراً، يمكنكم قراءته على «منتدى الوسطية» وغيرهاوقد خاطبت المسلمين فيها، لكنني ، على أي حال، لا اغمط المسؤولين حقهم في مسألة وقوفهم في وجه محاولة انتهاك الامريكان للسيادة الوطنية، ممثلة في المناهج والجمعيات الخيرية والحسابات البنكية، وبالتالي لا أجد نفسي خارجاً عن الاطار العام، الذي يسير فيه المجتمع بشقيه ممثلاً في الدولة والشعب.

 

* بمناسبة الحديث عن أمريكا، ما الذي تقرأه وتستشرفه مستقبلاً حول ما ستفعله أمريكا بالعمل الإسلامي الخليجي، والسعودي المحلي تحديداً؟

** أعتقد أنه من الصعب التنبؤ بما سيحدث، لأن تسارع الأحداث لم يعط العقليات الخليجية، رسمياً وشعبياً، فرصة للتفكير واستقراء المستقبل وفق معطيات معلومة، فالمعلومات تتسارع بمعدلات تفوق درجة استيعابنا لها، وبالتالي فإنني أتوقع أن يبذل الأمريكان قصارى جهودهم ، في محاولة لتحقيق أقصى مكاسب على حساب سيادة الدول جميعها، وعلى وجه الخصوص، أهم دولة عربية وإسلامية التي هي هنا المملكة العسودية، ومعروف أن أي شيء حسن في هذه الدولة ينعكس على العالم الإسلامي، وأي شيء ليس بحسن فيها ينعكس على العالم الإسلامي كله، ومن هنا فإن الأمريكان يحاولون اهتبال الفرصة ليضغطوا بشدة على المملكة السعودية تحديداً، وهذا ما يستوجب وقفة شجاعة من المسؤول، مستعيناً بالله ثم بشعبه، وللملك عبدالعزيز عبارة لا بأس من التذكير بها حيث يقول«أنا قوي بالله ثم بشعبي» وكان أمالمه آنذاك تشرشل وروزفلت وغيرهما من الدهاة، وهناك علاقات دبلوماسية بينه وبين هؤلاء، لكنه لم يقل في يوم ما أنا قوي بالجيش الأمريكي أو البريطاني. وعندما هبَّ الملك عبدالعزيز لتوحيد هذه الأمة ، اعتمد فعلاً على الله ثم على الشعب السعودي، وتحمل من شعبه أشياء معلومة، في سبيل ألا يدخل الأجنبي لمحاولة ترتيب البيت من الداخل، ولذلك أناشد ولاة أمرنا أن يتخذوا من موقف الملك عبدالعزيز رحمه الله درساً يتبع، فلا يتيحوا لأجنبي أن يدخل بيننا وبينهم، فالولاة يعرفون أننا معهم في سفينة واحدة هم يقودونها، وبالتالي فإن المصلحة مشتركة، والمضرة لاسمح الله على الجميع.

 

* والدعاة والمثقفين يا شيخنا، ألا يتحملون مسؤولية أيضاً هاهنا تجاه أمتهم الواحدة؟

** أنا أطلب من الدعاة والمثقفين أن يكونوا واقعيين وأن يشعروا الدولة فعلاً- عملاً لا قولاً- بأنهم حريصون على مستقبل البلد والمجتمع، وأن تكون لهم مبادات تصب في هذا المنحنى. فمثلاً هناك موقف وقفة الأمير نايف بن عبدالعزيز إبَّان قضايا الجمعيات الخيرية وتسليم من تطلبهم أمريكا، لقد رفض سموه ذلك الطرح الأمريكي، وهذا موقف كان من المفترض أن يتحرك المثقفون ويشكرونه عليه، ويفترض أن يؤازر، وكان على أخواننا رؤساء الجمعيات الخيرية أن يقوموا بزيارة الأمير نايف من الغد، وأن يشكروه على موقفه ويطالبوه بالمزيد. وبنفس الدرجة وقف الأمير نايف موقفاً مشرفاً في قضية تسليم المطلوبين، وأنت تعلم أن أمريكا تزّور أسماءً كل يوم، فوقف الأمير وقفة قانونية يشكر عليها، إذ قال لهم أثبتوا ما تزعمون فلن نسلم أحداً إلاّ بدليل، بل إنه ، وحسبما علمت، قال إن مبدأ التسليم هذا يحتاج إلى نقاش مستفيض، فإذا ثبت أن فلانا مجرم فسنحاكمه عندنا هنا لأننا دولة ذات سيادة، فمن من الأخوة المثقفين والمصليحن ذهب إلى هذا الرجل وشجعه على ما يقوم به؟، ونفس الأمر مع الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، لما وقف موقفاً معيناً وأرسل رسالة أعقبها بتصريحات تخدم الصالح العام، مَنْ مِنْ أولئك الأخوة ذهب ليشجعه؟ نحن ساكتون على الدوام. وإذا كنا نريد منولاة الأمر إصلاحات معينة فلا بد أولاً من أن نشعرهم بتقديرنا لهم عندما يخطون مثل تلك الخطوات الإصلاحية، وهذا أقل ما يمكن أن نفعله، فكلنا بشر، وكلنا يحتاج إلى تحفيز وتشجيع، أما إذا كانت المسألة أن نتحدث في مجالسنا وصحفنا ومحطات تلفزيوناتنا عن كوننا في سفينة واحدة وأن همنا واحد، دون أن نرى لذلك تأويلاً في عالم ا لواقع، فمن حق الحاكم أن يقول بأن ليس لدى هؤلاء سوى الهرج والمرج، وعلى هذا الأساس أقول إن على المثقفين والدعاة وطلبة العلم بل وكل المواطنين، عليهم أن يشعروا ولاة الأمر بمؤزارتهم اياهم في هذه الأزمة، وأنهم معهم مهما اختلفوا داخلياً، ضد أي متربص خارجي.

 

* حسناً، لكنك لم تخبرني بالمطلوب منا كسعوديين قبل أن يأتي هؤلاء الأمريكان بثقلهم، وهم قوم قلّما تنقصهم الذرائع للتدخل في شؤون غيرهم؟ ما الذي سيفعله الأمريكان؟ محمد حسنين هيكل ذكر، مثلاً، في مقال له أخير بأنهم سيطالبون بالاشراف على الحج، أن الحج يجمع أكبر عدد من المسلمين في بقعة واحدة، وهناك من يقول بأن الدور لم يحن بعد ليتفرغ الأمريكان للسعودية، فهم مشغولون الآن بهندسة الذرائع لضرب الصومال او العراق أو غيرهما، وبعد فراغهم من هذا سيتجهون لتصفية الحساب مع السعوديين؟

** في الحقيقة أنا لا أريد أن يتهمني بعضهم بالتقليل من المؤامرة الأمريكية، لكنني أطالب بعدم تضخيمها، فأمريكا الآن وبعد مضي بضعة أشهر، ما تزال تحاول الإمساك بشخص أعزل مطارد من العالم أجمع، بمعنى أنه لا يحتكم إلى مكان يستوعبه إذا ما فرّ اليه، لقد اسمتعت إلى حديث قاله مولانا فضل الرحمن رئيس جمعية علماء باكستان بعد أن سأله المذيع التلفزيوني عما إذا كان آوى ابن لادن، فقال فضل الرحمن: أنا في الإقامة الجبرية فكيف لي أن آوي ابن لادن، فإذا كان هذا هو كلام أقرب الناس إلى ابن لادن، فأين يذهب هذا الأخير وقد سدّت في وجهه كل المنافذ؟

ومع ذلك، مايزال ابن لادن فاراً، وقد قال في شريطه الأخير الذي بثته «الجزيرة» ذلك الكلام الذي يعتبر بمثابة تحد واعلان بفشل التكنولوجيا والسلاح الفتاك في الاجهاز عليه، أنه فرد واحد هذا الذي يدّوخ العالم الذي تقوده أمريكا. الأمريكان أصدروا أوامرهم بعدم دفن القتى في تورا بورا، وبرروا ذلك بأمانيهم أن يجدوا جينات أبن لادن أو الملا عمر ليقولوا لقد قتلا.أنا لا أريد أن أضخم الهجمة الأمريكية، فعلى أمريكا ان تأخذ دروساً منها، فأمريكا أحرجت من قبل شخص واحد خرج عليها من الجزيرة العربية، وللمناسبة فإن هذه ا لجزيرة لم لم ينزل الله فيها الوحي عبثاً، ولا خرجت قوافل الصحابة قائدة للجيوش لاقامة اكبر امبراطورية تعدادها ثلاثة أرباع العالم تحت مظلتها.. عبثاً، أبداً، لم يكن ذلك عبثاً، وأولئك الرجال أنجبوا رجالاً ، واذا فكرّ الأمريكان في الدخول إلى قضايا سيادية كالحج ونحوه، فتأكد أن المسؤولية الشرعية عند المجتمع السعودي لن تتوقف عند الحد الذي تسمح به السلطة السياسية، وأنا أقول لك هذا الكلام وأؤكد عليه، وأعلم يقنيا، أن السلطة تدركه أيضاً والحمدلله، ومهما كان الموقف السياسي متوقفاً عند حد معين، فليس من الضروري أن يقف عنده أو يطابقه الموقف الشعبي والجماهيري، وكما يقال، ما دون الرقبة إلا اليد.

 

* تبدو لي متحمساً لابن لادن، هل تؤيد أفكاره المفضية إلى التفجيرات التي شهدتها أمريكا؟

** الاجابة عن هذا السؤال أضحت بديهية، وقد اجبت عنها في أكثر من مناسبة.

 

  • نريد أن نسجل موقفك في صحيفتنا؟

  • ** في الحقيقة أنا أريد أن يُسجّل موقفي في صحيفة يوم القيامة قبل تسجيله في صحيفة «البلاد» وموقفي قد سجّل ولله الحمد ولا أزايد على المبدأ أبداً، وقد ذكرت ذلك في قناة «الجزيرة» وفي منتدى الوسطية وفي مجالسي.

     

* لكن ربما لم يطّلع الكثيرون على موقفك هذا، فلماذا لا تسمح لنا بتسجيله هنا؟

** يا أخي الكريم يجب بداية التفريق بين شئين، مبدأ ابن لادن، وتصرفاته، فابن لادن أخ مسلم، وهو رجل باع نفسه وماله في سبيل الله، وقد ذهب ليجاهد في سبيل الله وفق اجتهاده، رجل نزل من النعيم والرخاء والترف، ودخل الخنادق، على عكس السائرين من المهادق الى الفنادق، رجل، أحسب أنه يتلكم بصدق، حين يتلكم بما يعتقده هذا الرجل إنْ ثبت أنه يستهدف الأبرياء- وهذا ما لست أدري عنه حتى الآن ، والأصل أنه برئ من هذه التهمة حتى الآن- وإنْ ثبت أنه يستهدف المجتمعات الإسلامية الآمنة، وإن ثبت أنه يحرض الشباب على استهداف منشآت اقتصادية ومجتمعات إسلامية آمنة، إنْ ثبت كل ذلك فلا شك أن هذا مرفوض ولا نقبله بأي حال من الأحوال، لا بالمقياس الشرعي ولا بالمقياس العرفي عندنا، ولا حتى بالمعيار السياسي، لكن إنع كان ذاب ابن لادن لافغانستان ليدافع عنها ويجلي منها الغازي الوسوفيتي سابقاً، والغازي الأمريكي حالياً فبيض الله وجهه، ونسأل الله له الثبات، وأن يقويه ليفعل ما يراه مناسباً للدفاع عن الإسلام وأهله هناك، هذا ليس فيه نقاش ، ولا يجب أن نخلط الأوراق، أما أن تسميه أمريكا كلها ارهابية، كما فعلته بالمسلمين منذ عصر هاري ترومان وإلى اليوم. في أيام روزفلت كانت الشعوب الإسلامية تعتبر الشعب الأمريكي صديقاً لها، والرئيس الأمريكي مثله مثل الرئيس الصيني، ليس بيننا مشاكل، ولكن بعد ما أعلن هاري ترومان تأييده المطلق لإسرائيل، وبعد احدى عشر دقيقة من اعلانه، ظلت اللعنات الأمريكية تترى علينابمناسبة وبغير مناسبة، وفي كل المحافدل والميادين الدولية والعسكرية، وفي الحقيقة على أمريكا أن تعلم بأننا نكرهها لتصرفاتها، والشعب الأمريكي يتحمل جزءاً من المسؤولية فهذه حكومته وهي نتاج اختياره واقتراعه، لكن ما أقوله الآن وحتى لا يفهم خارج سياقه، لا يجب أن يعني أنني أبرر ما حصل هناك، أنالا أؤيد استهداف الأبرياء لا في أمريكا ولا في غيرها، ليس مجاملة لأمريكا ولا مجاراة للطرح الاعتذاري الذي طرحه بعض الدعاة، ولكن لأن ديني أمخرني بألا أقتل إمرأة ولا شيخاً ولا طفلاً ولا أن استهدف برئياً، أنا أنطلق من مبادئ وليس من ارهاصات هذه الأزمة.

 

 

 

 

 

التعليقات  

 
+2 #2 رد مكاشفات (2) صحيفة البلادباسل 2012-11-01 14:32
مبروك ياد.محسن حصولك على ماجستير القانون ماشاء الله رغم انقطاع عن مقاعد الدراسة لمدة 30 سنة تحقق هذا المعدل المرتفع 3.89 الذين لم ينقطعو عن الدراسة لم يستطيعو تحقيقه
اقتبس هذا الرد
 
 
+2 #1 الرياضحاصل بن ماضي 2011-06-27 00:34
أن بناء الإنسان الصالح المنتج هو الهدف والمطلب والغاية بدلاً من الاحتماء بالمنع والتأجيل واستخدام المسكنات غير النافعة والمفيدة والتي تخفي الألم ولا تقضي عليه وعندما ينكشف الخلل تصبح التكلفة عالية والعلاج مستحيل، ولعل التركيز على إيضاح أهمية الاهتمام بالأسرة في ظل العولمة الحديثة من خلال التركيز على العمل الجماعي أو ما يمكن تسميته ضمير الجماعة بدلا من فردية العولمة

المواجهة عملية اجتماعية مُكتسبَة، تتأثر بعددٍ من الغرائز الإنسانية، كغريزة النجاة، وغريزة السيطرة.. فهي، تعني الإقدام والمجابهة، للحال التي تسبب القلق والخوف للفرد، لإنهائها والتخلص من ضغطها، من خلال مجابهة الآخرين بالقول أو الفعل، أو الاثنين معاً.
العدل والإنصاف عند الخلاف وفقه أسباب الخلاف وأنواعه من أهم ما يؤصل لفقه الائتلاف بين أبناء الأمة .
اقتبس هذا الرد
 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8