مكاشفات (1) صحيفة البلاد

تقييم القراء: / 12
ضعيفجيد 

 

 

مكاشفات د.محسن العواجي – الجزء الأول

نشر هذا اللقاء في صحيفة البلاد بتاريخ 20شوال 1422هـ

أجرى الحوار :مدير تحرير صحيفة البلاد – الأستاذ عبد العزيز محمد قاسم

 

مقدمة المحاور :

 

أتى صوته عميقا وحفيّا عبر الهاتف , عندما رجوته قبول دعوتي باستضافته في برنامج "مدارات الأحداث" بقناة اقرأ الفضائية, وعلى عكس معظم من أدعو لبّى فورا معطيا إشارة أولى بتلكم الثقة والروح المبادرة والجرأة الأدبية التي امتلأت بها نفس ضيفي لهذا العدد.لأستحضر من فوري صورا شاحبة وباهتة لمثقفين محليين وهم يتلجلجون ويعتذرون - بافصاح أو تلميح - بزعم أن هناك فوبيا تتلبسهم أمام الكاميرا..

 

ثمة آصرة نشأت بيني وبين ضيف "مكاشفات" بعد هذه المهاتفة . وازدادت متانة وتأكـّدت وقتما التقيته, عندما وجدت نفسي ازاء رجل في منتهى النقاء ووضوح السريرة , لا يراوغ في كلامه أو يتفذلك. من ذلك النوع الآسر الذي يأسرك من وهلته , ولكأنما معرفة ممتدة بينك وبينه. كل هذا ساعدني للانطلاق في طرح اتهاماتي , وقيامي بمحاسبة عسيرة ومحاكمة شبه عسكرية لطروحاته , وما قدّم في ماضي أيامه ,محاولا فك الأحجية عنها. ولا والله , فقد ألفيت رجلا يقابل أعاصير الاستفزاز بروح ودودة ,وشحنات الانفعال والحدة بابتسامة استرخت بحدب بيّن على وجهه اللدن , رغم أن جلّ الأسئلة تنال منه ومن فكره تحديدا.

 

ثماني ساعات كاملة قضيتها مع ضيفي في مكاشفة"هائلة" أو قل عراك فكري , أحتـدّ معه , ويرتفع صوتي وأنا أكيل له الاتهامات في ما فعل وزملاؤه إبان التسعينات , وأنطلق بأسئلة تنال من طرائق التربية في تياره , وأولوياتهم في العمل الدعوي والإصلاحي , مرورا بمراجعاته وأسئلة لا تنتهي , حتى عييت عن الكلام والقاء الأسئلة وشكرته , وهو يطلب المزيد . ولكني وصلت الى حالة من الإنهاك والخور, لدرجة عدم استطاعتي الكلام , فرفعت رايتي البيضاء مستسلما, ما جعله يبتسم في ظفر, غير مخف الشماتة الأخوية عقابا على استفزازاتي , فيما الحقيقة أن خطيب الجمعة فيه انتصر على معلم المدرسة فيّ , وقد عدت الى الصحيفة وأنا مكلوم وملجم لا أعي من أمري شيئا, بينما ذهب هو – زاده الله وأكمله – إلى محاضرة يلقيها!!.

 

ولما كنا في "البلاد" نستحضر مسئوليتنا الوطنية والثقة التي نثمّـنها ونعتز بها , فقد أخبرته – بكل القناعة وعدم التملق والله تعالى يشهد – أن ثمة فقرات في إجاباته لا يمكن لي نشرها ,لأن بها قفزا على المراحل وحرقا لها, ونحن نعتقد أن مسايرة هذا الانفتاح الاعلامي لا يمكن أن يكون الا بالتدرج والانضباطية والمعقولية التي تراعي حركة المجتمع, كي لا ترتد علينا بنتيجة عكسية لا يمكن تحمّلها في وضعنا الدولي المتأزم, وزدت أبا هشام خبرا - بتشفّ مبطن - بأن هناك القلم الأحمر الشهير الخاص برؤساء تحرير الصحف , تتربص شامتة بين ابهام وسبابة الدكتور عبد القادر طاش تقوم بدورها المعتاد والمنوط .على أننا في كل الأحوال وعدناه بنسخة كاملة - كحقّ له – من اللقاء , ينشرها في موقعه الشهير "الوسطية" بشبكة الانترنت , والذي حقق شهرة واسعة في طرح قضايا مجتمعية ووطنية جريئة ..

 

أجمل شئ في هذا الرجل الأعجوبة خفة ظله المثلى التي جعلتني لا أحس أبدا بالوقت, وسرعة البديهة والجواب التي يتميز بهما , والتي يستدعيهما من ذاكرته الملأى بالأحداث والوقائع ,ماجعلني أتمتم في نفسي بأن معه كل الحق بامتهان المحاماة كمصدر لرزقه الحالي . وأبو هشام رجل عملي عكس كثير من لداته ورفقته الذين يجيدون التنظير فقط , أو قل فقهاء التسويغ ومحترفيه . فهو يطرح الفكرة وقد أتبعها بخطوات عملية لتحقيقها , وقد قام بجهود مميزة ودراسات عملية ربما يطالعها القارئ الكريم في ثنايا المكاشفة. من ميّزات الرجل حبه الصادق والحقيقي لوطنه , والولاء المطلق بالمعروف لولاة الأمر , لا يماري في ذلك أحد , ولا يمكن لأي فرد مهما كان أن يزايد فيه , مع صراحة مفرطة في الانكار على الخطأ - والتي دفع أكلافها لاحقا - تجعل مثلي يفغر فاه هلعا,لأكون ومن مثلي درسا وأمثولة , يستفيد أبو هشام منها , بأن الصراحة المطلقة ان لم تراع الظروف الزمانية والمكانية ربما ترتد بنتيجة عكسية..

 

ويبقى أولئك الرهط من رفقته القديمة يأخذون عليه مراجعاته وارتياده آفاقا ورؤى جديدة تبدّت له في طرائق الأسلوب والتعامل والفكر , يصفون أبا هشام بالمتخاذل والمنتكس وبأوصاف يجيدها البائسون والجامدون , الذين لم يتعلموا من تجربة وحوارية التأريخ , بله على عدم قراءته حتى!!, في حين أن الزمن تجاوزهم غير مدركين ذلك , وهم سادرون في طريقهم وطريقتهم , يقتاتون غابر الأيام , ويلوكون الأسى والتشرذم في طريقهم للانكفاء, وقد انفضّت عنهم قلوب وأرواح ..

وأستأذن القارئ في سرد نتفا من طرائف أبي هشام أثناء لقائه, ذلكم أنني سقت له التهم في توجهه الفكري ,وأسلوبه في التعامل , وبعض ما يخص التيار الذي ينتمي, وكل ما أوجه له تهمة يوافقني ويومئ برأسه مؤيدا , الى أن ضجرت وصحت : يا دكتورأنا أتعب في اعداد الأسئلة وأنت توافقني ولا تعترض , وتحرق علي اللقاء!! .ليجيبني بنبرة هادئة مستفزة , وقد زمّ شفتيه : أو نحن في لقاء صحفي أم في اتجاه معاكس ؟ هل تريد المعارضة للمعارضة؟؟ . وعندما انتهينا قام – كرما منه ونبلا – بالثناء على محاوره – ولا أدري ما الذي رآه أو سمعه سوى صياح واعتراضات قاسية - , مبديا في نقل انطباعه هذا الى زملائه في الرياض , فقلت له وقد جفلت وتملكني الرعب : عدني يا دكتور أن تحتفظ بهذا الرأي لنفسك ,لأن ثناءك أنت تحديدا كارثة , وأنا والله راغب أشد الرغبة عنه , فاتركني – جمّل الله حالك – على ما أنا عليه من الستر.

 

على حلقات عدة نستضيف سعادة الدكتور محسن بن حسين العواجي ,الاستاذ السابق بجامعة الملك سعود , منتظرين من مثقفينا الكرام وقرائنا الأحبة بمداخلات موضوعية وحكيمة , موافقة واعتراضا على ما يطرح ضيفنا الكريم .

المكاشفات

 


*
الدكتور محسن العواجي: أنت شخصية أثارت كثيراً من الأسئلة وخصوصاًبعد لقائك الشهير في قناة الجزيرة , وأنا اعتدت في مكاشفاتي أن أبدأ بأهم المفاتيح للدخول إلى شخصية الضيف هلاَّ حدثتنا عنها: مسارب الطفولة وذكرياتها.


**
ولدتُ في مدينة (الرس) ونشأت في مزرعة والدي رحمه الله, وأكملت الثانوية وأنا بالمزرعة , ويمكن لي أن أقول إن حياتي هي حياة ريفية طابعها الجدية والحزم حيث العمل الدؤوب والمشقة المتواصلة حيث لا نعرف المسرح والترفيه مطلقاً في مراحل الطفولة والمراهقة اذ كانت رفاهيتنا في تقطيع الصخور او حفر الآبار ورعي الغنم والتنافس في قيادة جميع المعدات الثقيلة تحت قيادة والدنا التي وصفها احد الأخوة بقيادة جوزيف ستالين حيث الكدح بلا توقف وانعدام الملكية, ثم إلتحقت, بعد ذلك, بالجامعة في الرياض, حيث حصلت على البكالورويوس خلال 3 سنوات عام 1402هـ ومن ثمَّ الماجستير 1406هـ, قبل أن يتم ابتعاثي إلى الخارج لأعود بالدكتوراه في عام 1989م, وتمّ تعيني كأستاذ مساعد بالجامعة وترقيت لأستاذ مشارك, لكنني فُصلتُ من الجامعة بعد ونقلت إلى السجن لأمضي 4 سنوات متواصلة.


*
يا ساتر.. يا رب , لو قرأ الخبراء وعلماء النفس هذه الإجابة يا دكتور, لاستخرجوا كتابا عن شخصيتك ففي بضعة أسطر انتقلت بنا من الولادة إلى الفصل من الجامعة والسجن, أستأذنك للعودة إلى مرحلة الطفولة لتتوقف عندها قليلاً, فهي, كما يقال, ليست طرف العمر.. بل عاصمته.. ماذا تبقَّى لك من ذكريات عن تلك المرحلة؟


**
أستطيع أن أقول بأن اسرتي كانت مستورة الحال وتنتمي, طبقياً, إلى ما يسمى(بالطبقة الكادحة), لكن هذا لم يمنع أن تكون لنا اهتمامات فكرية وسياسية منذ البداية لا سيما ونحن في منطقة القصيم حيث توجد المنتاقضات رغم القشرة الخارجية للمجتمع المحافظ إلاّ أنه كانت هناك جميع التيارات تنمو سراً متأثرة بما يتسرب اليها من حركات فكرية وسياسية.
فأغلب المنتمين الى التيارات اليسارية خرجوا من منها رغم اتهامها بالمحافظة والتشدد وأحياناً, ومن جهة والدنا رحمه الله فقد كان من المتابعين المهتمين لأحداث العالم, منذ عرفته إلى وفاته ومنذ عرفته وهو يقتني جهاز الراديو, الذي كان محرَّما, إلى حد ما, في تلك الأجواءالنجدية المحافظة, وربما استفاد والدي من كونه معزولاً عن المدينة كونه مزارعاً, فكنا نتابع الأخبارالعالمية أول بأول.. وأذكر أنني وفي سن السادسة, كنت أرقب الوالد وهو يستمع إلى الأخبار من (صوت العرب) المصرية في عام النكسة 1967, وما أذهلني وعلق بذاكرتي التصاق والدي بالراديو, وبد ا لي من شدة حماسته للمتابعة وكأنه يريد الدخول في الجهاز نفسه حرصاً على الخبر, ولا شك أن هذا الشعور داهم كل مسلم وعربي, عند ادراكه للكارثة التي حلَّت بالعالم العربي والإسلامي آنذاك, في تلك الأثناء, توقف البث فجأة, وحاول والدي عبثاً العثور على المحطة مرة أخرى, وبعد فترة استطاع أن يلتقط البث الحي للإذاعة, وقد بدت عليه الدهشة عندما جاء صوت المذيع ليقول (صوت العرب من دمشق).. فلم يلبث أن أجهش والدي بالبكاء, لأنه أيقن أن مقر(صوت العرب) في القاهرة قد ضربت من قبل الطيران الصهيوني. وكان بكاؤه الأشد حرقة عندما أحرق المسجد الأقصى في نفس السنة, وبطبيعة الحال فإن بكاء الأب وأمام طفله بالذات ليس أمراً سهلاً وقد رسخت في ذاكرتي وفي تكويني النفسي والسيكلوجي تلك المشاهد لدرجة يصعب عليَّ تجاوزها, ودعني أضف شيئاً أراه مهماً, وهو أن شخصية والدي لم تكن شخصية مسالمة بطبعها, فقد كان يحتكم على نزعة معارضة بدت ملامحها على المستويين المحلي والإقليمي فمثلاً كانت بينه وبين امير المنطقة آنذاك صولات وجولات مرجعهما في ذلك الملك سعود ومن بعده الملك فيصل رحمهما الله, وكان لي, بحكم قربي الدائم من والدي, دور حيوي ومؤثر, فقد كنت أقوم بكتابة الشكاوى والإعتراضات والاحتجاجات التي كان يزمع إرسالها إلى أولي الأمر, وهذا العمل عوَّدني, في ما بعد, على لغة المعارضة ولغة المطالبة والتشكِّي ولوم المسؤول, وأهم من ذلك ترسخت عندي القناعة أن الإنسان إذا ما كان له حق فيجب أن يطالب به وألاَّ يخشى محاولة الحصول عليه لومة لائم.


*
والله يا دكتور نزعتك هذه من الطفولة فلا غرو ولا عجب , من جهة أخرى يستطيع من قرأ تاريخ منطقتكم أن يتعرف بسهولة على مثل هذا النزوع إلى المعارضة فهل للجغرافيا والبيئة الصحراوية علاقة بهذا التكوين السيكولوجي النافر للإعتراض؟
**
لقد درج أن يطلق مثل هذا الوصف على منطقة أواسط الجزيرة العربية, ولعلها الجغرافيا الفكرية التاريخية وليست الصحراوية ولكن مثل هذا الكلام يمكن أن يقال أيضاً عن أي منطقة أخرى, وهذا لا يعني عدم وجود نزعة معارضة مرتبطة بكل منطقة تختلف عن الأخرى, سواء في نجد أو في الحجاز أو في الشرقية أو الغربية أو غيرها, فهذه هي طبيعة البشر, وفي الحقيقة أنا لا أستغرب أنك تقول -وأنت من هذه المنطقة المباركة.. الحجاز- هذا الكلام عن (نجد) لأنني سمعت في (نجد) من يقول كلاماً مماثلاً عن الحجاز وجميل أن تكون كل منطقة مرآة للأخرى طمعاً في تحسين الصورة من الطرفين.
وفي الحقيقة, فإن العلاقة التاريخية بين المجتمع النجدي وبين الحكومة خاصة في مراحل التأسيس جعلت تعامل الأخيرة معه في ذلك التاريخ, يبدو واضحاً للعيان أكثر من المناطق الأخرى, فأخواننا في المنطقة الغربية مثلاً , دخلوا ضمن هذه الدولة بعد أن تشكلت نواة الدولة على يد القائد ورجاله الذين تجاوزوا بها مراحل الخطر التي لم تخل من أخذ ورد, وقد كان الملك عبدالعزيز رحمه الله يدرك هذه العلاقة الحساسة وهو يضع اللبنات الأولى ويتعامل معها, بحكمة, وظل يجمع ما بين البعدين الايديولوجي والقبلي على المستوى الاقليمي أولاً ثم على مستوى الدولة فيما بعد, وقد نجح فعلاً في ترتيب الامر بموازنته لهذين البعدين, موازنة نحن نجني ثمارها الآن ونتائجها الطيبة برواية هذا المجتمع المندمج والمتجانس.


*
عفواً لهذا الاستطراد والسؤال الشخصي, صراحتك المفرطة هذه دفعت فيها أكلافاً يوماً ما, ألم تتعلم من التجربة والدرس؟
**
هذه الصراحة التي تسميها مفرطة,نحن بحاجة اليوم إلى أضعافها , وأما صراحتي النسبية فقد تبدو للقارئ أنها اندفاع في غير محله ولكن هذا الشعور سرعان ما يزول إذا علم أنها احدى ثمرات لقائي المتكرر مع سمو الأمير نايف بن عبدالعزيز بعد خروجي من السجن, وبصفته رئيس المجلس الأعلى للاعلام, حيث ناقشت معه كل ما في نفسي بكل شفافية فلم أر منه أي تذمر بل أعشر أني كلما كنت معه صريحاً وصادقاً كلما ازددت عنده تقديراً واحتراماً وكذا الحال مع ابنه الأمير محمد, أفأجد هذه الفسحة ورحابة الصدر من مسؤولين بهذه المكانة ثم أحجّر على نفسي؟
عموماً هذا موقف له لا ينسى أقدمه للمجتمع وللإعلاميين بشكل خاص.

جذور التربية

لم تحدثني عن مرحلتي الإعدادية والثانوية, هل ثمة أسماء ماتزال عالقة بذاكرتك .. وكان لها تأثير على توجهك الفكري لاحقاً؟
**
من نعمة الله عزّ وجل عليَّ أنني نشأت في الريف, وكان الوالد رحمه الله من القسوة على أبنائه, لدرجة أنه لا يسمح لنا بأن نختلط بأحد كائناً من كان, لأننا من الطبقة الكادحة إن جاز التعبير, وقد كنا نعمل في المزارع طوال النهار وزلفاً من الليل أحياناً أربعة وعشرين ساعة, وكنا نسميه بـ(ستاليني) المتسلط, وهذا طبعاً(ميانة) على الوالد وليس سباً, فنحن كنا وما نزال نفتخر به حياً وميتاً, ولكن شدته معنا جعلتنا نسمي أنفسنا بالطبقة الكادحة ونسميه برأس الهرم في اللجنة المركزية حيث كنا ندرك في ذلك الوقت أن الكدح العمالي في المنظومات الاشتراكية حينها, إنما كان لرفاهية أعضاء اللجان المركزية فيها, لكننا نحفظ لوالدنا أنه كان قاسياً علينا مما جعلنا بعده نستسهل كل نازلة, فمثلاً بقائي في الزنزانة الانفرادية ستة أشهر متواصلة لم يكن عندي بأقسى من نزولي شهراً كاملاً أحفر في بئر لوالدي لم أكن أرى الشمس مطلقاً حيث أنزل قبل طلوعها وأخرج من البئر بعد غروبها, وبالرغم من أنه والدنا, لكنه أعطانا نموذجاً للإدارة الدكتاتورية التي كونت لدينا ردود أفعال أثرت في حياتنا, ولم يكن لنا من سبل للتواصل مع المحيط الخارجي ( جدار برلين) أو (الستار الحديدي) الا من خلال محطات الاذاعة العالمية في ذلك الوقت في لندن وبرلين وواشنطن وصوت العرب, وبعض الإذاعات المعارضة للمملكة, وقد كنا نستمع اليها بحكم أننا بعيدون عن الرقابة, كتلك الإذاعة المشهورة التي تُبث من الشام, وهي كانت تزخر بالحقائق كما تزخر بالمغالطات في نفس الوقت, مثلها اليوم كمثل أية نشرة خارجية معارضة تخلط الحق بالباطل, لكنها وبطبيعة الحال تتكلم عن أشياء تبدو بالنسبة إلينا غريبة جداً والمحظور مرغوب والغريب لذيذ وهذا طبيعي في أجواء احتكار المعلومة, وهذا التلقي المباشر عبر الأثير, مع هذا الحصار الذي كان يفرضه علينا والدنا, هو أشبه مايكون اليوم بحصار بعض دول العالم الثالث لشعوبها في وقت غزت فيه الفضائيات كل الآفاق, مما حال دون تشكُّل ايديولوجياتها, وكنا, بالمقابل, نقطن مزرعة (عولمية) آنذاك اذا جاز لي التعبير, وكانت قناعات والدي الحازمة جداً ضد الاستعمار ومن يداهنه واضحة, وهذه نعمة ولا شك, ساهمت مساهمة كبرى في تشكيل شخصيتي واهتماماتي الفكرية والثقافية المتواضعة.
ولا أعرف شخصية أخرى بعد والدي أستطيع أن أعزو اليها تأثيراً معيناً, ذلك أن الأجواء العامة في تلك المراحل, اعدادياً ومتوسطياً وثانوياً,كانت أجواء تربوية وهادئة جداً, خاصة وأن منطقة القصيم في تلك الفترة تمر بمرحلة ركود,إذ شعر المحافظون فيها بعدم جدوى محاولاتهم لمقاومة خطوات التحديث التي كانت تقوم بها الدولة, اللهم إلاَّ حينما تقرر فتح مدارس للبنات, حيث ذهب وفد منهم إلى الملك فيصل رحمه الله محاولين (إنكار المنكر) ولكنه عاملهم معاملة لائقة, وبالمناسبة فبعض أعضاء ذلك الوفد وأبنائهم وأحفادهم يجوبون البلاد اليوم طولاً وعرضاً لكي يضمنوا فرصاً لقبول بناتهم في الكليات وتوظيفهن والحمدلله, وفي الحقيقة أنا هنا لا أقصد انتقادهم من أجل إنقاصهم أو التجني عليهم, بل إنني أؤكد على أن تدرج التغير الاجتماعي مطلوب, كما هو مطلوب أيضاً مراعاة ما تعود عليه الناس.كما أحفظ للدولة حرصها على تطوير المجتمع دون أن يثنيها عن ذلك اجتهادات بعض المخلصين الذين لا ينظرون إلى الأمور الاّ من خلال عقولهم وأفهامهم الضيقة.


*
حتى هذه اللحظة التي تحكي عنها لم تبدُ عليك سمات الإلتزام الديني, متى بدأ مثل هذا الإلتزام؟ خاصة وأنك في تلك المرحلة كنت أقرب إلى أفكار الاشتراكيين السوفيات.
**
أولاً, استغفر الله لا أحب أن أُوصف بأنني ملتزم دينياً, الإنسان منا يستغفر الله عزّ وجل ويسأله أن يغفر له ما لا يعلم الناس وأن يجعله خيراً مما يظن الناس به, ولذلك فإنني لا أسمي نفسي ملتزماً لأنني أستحي , أولاً, من الله عزّ وجل ,وثانياً أن كان فيه كما ذكر فهو فضلاً من الله ونعمة, نشأت هكذا, لا أعرف شخصاً معيناً أثر عليَّ, كنت أحب متابعة الصلاة من المسجد الحرام والمسجد النبوي أحب كل شيء يتعلق بهما اللهم إلاَّ أن بيئة والدتي حفظها الله كانت أشبه ما تكون بالبيئة الربانية, فإن هذه البيئة المتبتلة المنقطعة لله عزّ وجل, وبالتالي فإن هذه البيئة أثرت عليَّ تربوياً , حيث تشعر الوالدة أو لا تشعر لكنها كانت مدرسة وأية مدرسة, وفقها الله للعمل الصالح وختم لها بالصالحات ولك أن تعلم - أستاذ عبدالعزيز - أن هذه المرأة أصلب وأشجع من عشرات الرجال واليك هذا الدليل: (دخلت السجن وبقيت (4) أشهر لا يعلم أحد من أهلي عن مكاني وبعد ذلك فتحت الزيارة لكن والدتي هي الوحيدة التي لم تخرج من بيتها ولم تغادر مصلاها في الرس لتزور فلذة كبدها وكانت طيلة الأربع سنوات كلما أتصل عليها كانت تقول (سنراك يا ولدي إمّا في الدنيا أو بالجنة) فلم تذرف عليّ دمعة ولم أشعر بأن أحداً كان بجانبي أثناء محنتي غيرها, فهل يقف بعض الرجال مثل هذا الموقف؟ كذلك نشأنا والفضل لله سبحانه وتعالى أولاً وآخراً ثم للوالدين (ربي أرحمهما كما ربياني صغيراً), ولا أعرف أحداً من البشر الذين كانت لي صلة بهم يستطيع أن يقول بأنه أثر عليّ أبداً على الإطلاق, ودعني أحكي لك الآن قصة غريبة رغم أني لا أريد إقحام الرؤى في كل شيء, وهي أنني رأيت في المنام رؤيا لا أزال أذكرهاحتى اللحظة, وكنت آنذاك في السنة الثانية الابتدائية, وكان منهج القرآن المقرر على الطلاب في تلك السنة لا يتعدى جزء (تبارك) فرأيت في المنام رجلاً حسن الصورة أشمط اللحية جميل الوجه, يقرأ قول الله تعالى (المال والبنون زينة الحياة الدنيا), ومن جمال تلك القراءة وبشاشة ذلك الوجه, وأيضاً من ذلك الجو الروحاني اللذيذ الذي شعرت به وأنا في المنام, استيقظت من نومي فرحاً منتشياً وبدأت أبحث عن هذه الآية التي لم نكن نعرفها ونحن في تلك السن, حتى وجدتها في كتاب الله في سورة (الكهف), فكان ذلك بمثابة الدافع الرئيسي في حفظي لكتاب الله في سن مبكرة, ولله الحمد والمنّة, ولأنني حفظت القرآن بغير شيخ ولا قارئ, فقد حفظته بأخطائي, فكنت أتدارك ذلك , في ما بعد وأصححها حينما عُينت إماماً وأنا في العشرين من عمري في الرياض.

أفكار ومصطلحات شيوعية


*
قلت لك أنك تبدو في تلك المرحلة أقرب إلى أفكار وحياة الإشتراكيين , وذلك من خلال ما حكيته لنا عن مصطلحات عدة درج استخدامها في الأدبيات الشيوعية والماركسية كالبروليتاريا والطبقات والعمال.. هل قرأت ماركس وأنجلز في تلك الفترة بالذات؟
**
في الحقيقة كنت ولا أزال أحب أن أقرأ عن كل محظور رسمي, لأن أوضاع العالم الثالث أوجدت انطباعاً لدى الشعوب والمثقفين أنه إذا ما مُنع شيء, فانه سيكون مفيداً لا محالة والمنع إنما هو لمصلحة المتنفذ لا الشعب, وبالتالي صاحبنا هذا الانطباع منذ الصغر, وهو يجد اختصاره في جملة (الممنوع مرغوب) لكن في العالم الثالث وفي بيئات الاستبداد نجد أن الممنوع قد يهدد المستبد أكثر من تهديده لمن يقع عليهم فعل الاستبداد, وإلى هذه اللحظة,وكلما قالوا هذا الشيء ممنوع حتى وإن كان تافهاً تجدنا نسعى للحصول عليه بكل وسيلة, وبطبيعة الحال فإن هذه المصطلحات قرأت عنها متأخراً,فوجدتها قريباً مما كنت أعايشه أنا وأخواني وأخواتي تحت السلطة الشمولية لوالدنا رحمه الله, لأنه عندما كنت في مرحلتي المتوسطة والثانوية كان مجرد الحديث عن الشيوعية والماركسية أخطر من الوقوع في الشرك الأكبر, كما تعلم, وهذه الأجواء وللأسف الشديد ليست أجواء دين محض أو نهي عن منكر, بل هي أجواء سياسة إبان الصراع بين المعكسرين الشرقي والغربي, والدليل أننا كنَّا نتلقى المعارف والثقافات التي تقول لنا بأن الاتحاد السوفيتي هي دولة الإلحاد ويجب محاربتها, كما لو أن دول المعسكر الغربي هم (جماعة التبليغ) وحتى إذا ما انتهت الحرب الباردة اكتشفنا, فجأة, أن روسيا دولة شقيقة, مع أن شيئاً جوهرياً لم يختلف, صحيح أن الإتحاد السويفيتي انهار ولكن الإلحاد باق, كما هو موجود في الغرب أيضاً, وهذه العملية بالذات أُصنفها ضمن عمليات تضليل الشعوب وبرمجتها لتسير من خلف المنادي ولأغراض سياسية بحتة.


*
ألا تعتقد أنك تبسِّط الفكرة الماركسية اللينينية تبسيطاً ساذجاً ومخّلاً إلى درجة الهشاشة, خاصة وأن تلك الأيدولوجيا بالذات, كانت عصب ذلك الاتحاد, وقد سعى جاداً خلال سبعين عاماً إلى تصديرها إلى العالم وبخاصة إلى دول العالم الثالث والوصول للمياه الدافئة؟
**
أنا لم أُبسِّط الفكر الماركسي, فهو صعب تبسيطه طالما قبع سبع عقود في المجال السياسي الدولي واعتبره كارثة فكرية حرمت أجيالاً من حقوقها المشروعة , لكن ما قصدته هو نظرتنا كمجتمع سعودي إلى الإتحاد السوفيتي.. كيف كانت? ودعني أضرب لك مثلاً, وقصته أن إحدى الدول الخليجية وافقت أن يفتح السوفيت سفارة لهم, وحدث هذا قبل الإنهيار بخمسة عشر سنة تقريباً, ما حصل هو أننا اعتبرنا ما تفوهت به تلك الدولة الخليجية هو بمثابة محظور لا يخطر على بال,وكان بعضنا يفسر النار التي تخرج من عدن بأنها الزحف الأحمر من اليمن الجنوبية, بينما نتعامل مع قضايا أخرى أشد ضخامة, كالوضع في فلسطين, وكالاستعمار الذي لم يبارح أفريقيا إلاَّ قريباً, بإنفعال أقل, بمعنى أننا نضخم خطورة الاتحاد السوفيتي ايديولوجيا, وهو تضخيم قد يكون له ما يبرره إلا أنه لم يكن خالصاً لوجه الله من وجهة نظري , أقول هذا وأؤكد عليه, إنما كان خدمة للأجواء السياسية الموجودة, وأنا هنا لا ألوم الأنظمة لأنها ترتب أمورها السياسية بل مبعث لومي ما يشاع ساعتئذ من أقوال تبرر مثل تلك الأفعال بحجة أن الدين يريد ذلك, والشاهد أنه وقبل انهيار الإتحاد السوفيتي بقليل دُفعت مليارات من بيت مال المسلمين لحكومة غورباتشوف التي كانت تترنح حينها ليكون للاتحاد السوفيتي موقفاً من التحالف ضد العراق أقول أن المسألة إذا ما أدرجت في خانة اللعبة السياسية فيجب أن تبقى في ذات الإطار, دون أن نقحمها اقحاماً عرضياً وغرضياً في مجالات الحلال والحرام, هذا هو مكمن اعتراضي.. أما المنظومة الشيوعية فقد حاولت فعلاً خلال عقودها السبعة الوصول إلى مصادر قوة الغرب والحلول محلهم, وهذا تنافس معروف بين المعسكرين.

مرحلة الجامعة


*
كان هذا عن مراحلك الدراسية الأولى, فماذا عن مرحلة الجامعة؟وحريِّ بها أن تكون مجالاً حيوياً للعنفوان والانطلاقة الفكرية, كيف ترصد لنا تلك المرحلة؟
**
بعد نزولي  الرياض ببضعة أشهر, تعينت إماماً لمسجد , وبعد عام حوّلت هذا المسجد إلى جامع ثم بدأت أخطب فيه,فكانت الخطوة الأولى لمخاطبة الجمهور, وكانت الخطبة في هذا الجامع هي أول الطريق العملي للتلقي المباشر وتشرب الأيديولوجيا المحلية ومن ثم الخارجية, إذ أن الخطيب لا بد له من أن يقدم في كل أسبوع ما يشبه البحث محكوماً بالنص الشرعي من جهة والسقف الرسمي من جهة أخرى, وبالتالي ومهما كانت خلفية الإنسان فإن عليه أن يبحث ويتحرى, وعليه فإن الجامع هو الذي شكّل الخلفية الأساسية لما عندي من نظرات فكرية معينة, وبطبيعة الحال فإنني في بداية هذا الطريق الثقافي إذا صحَّ التعبير, تعرضت إلى تقلبات تشبه إلى حد ما تلك التقلبات التي تعرض له الاتحاد السوفيتي , وبحكم صغر سني وهيمنة أيديولوجيا معينة على المجتمع بأسره وعلى مجتمع الرياض على وجه الخصوص,وإن شئت فقل تجاه القولبة الفكرية فقد عملت من خلال هذه الأيديولوجية دون أن آتي بجديد, وبالتالي حدث نوع من الإندماج في نسيج البيئة الموجودة دون أدنى نية لتمحيص منهجها وهي بيئة سعودية تقليدية محافظة وهادئة وخالية من الأزمات,مسيسة بإتجاه واحد لا غير, وكانت أزمة الحرم سنة 1400هـ أول صدمة عملية لي.


*
كيف؟
**
كانت صدمة عصيبة بالنسبة للجميع وغير عادية, فما الذي يدفع أناسا هم نتاج المدرسة الدينية القريبة من السلطة ليفعلوا تلك الفعلة النكراء في أقدس بقعة على الأرض وضد حكومة رضى بها الناس وانضووا تحت لوائها? وهذا السؤال, في تقديري, لم يجب عليه إجابة شافية حتى يومنا هذا, والاجابات حوله تخضع إلى (فلترة) معينة, ولربما تكشف الايام اجابات اخرى مقنعة ومنطقية, وفي الحقيقة, كنت أفهم تلك الأحداث على ظاهرها, إلى أن مررت بالسجن فيما بعد وفيه عُوملت معاملة تم فيها الكثير من تحوير وتوضيب الحقائق لكي تكون ملائمة لمسار معين يختاره المحقق خدمة لما يريده منه القاضي ضد السجين بعيداً عن مرأى ومسمع ولاة الأمر وأنا لا أضع على ذمتي شيئاً لست متأكداً منه, ولكن الذي أعرفه عن تلك الحادثة وأستطيع قوله هو أنها كانت عملية خاطئة وليس بمقدور أي شخص تصويبها جملة وتفصيلا, أما معرفة دوافع الذين قاموا بتلك الحادثة وماذا تم خلالها فانني لا أعلم شيئاً عنه تاركاً طرفي القضية لله يحكم بينهم وهو خير الفاصلين, ولا أريد أن ألقى الله عزّ وجل بكلمة باطل أو تزلف , أقولها هنا وتتبعني في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
وجلّ ما أعلمه أنهم أخطأوا في دخولهم إلى الحرم وأن خطأهم انعكس سلباً على شباب الصحوة , وأعلم أن ثمة ضبابية تلف دوافعهم, كما تلف مطالبهم التي تقدموا بها هذه أشياء لم توضح للنّاس , ربما لأن التاريخ يكتبه المنتصر كما يقال, وبالتالي فلننتظر حتى تتكشف الأمور, وهي مثلها مثل غيرها من أحداث مرت في التاريخ, فما حدث مثلاً في عهد بني أمية لم يعرف الناس حقائقها إلاَّ متأخرين, وفي النهاية نحن لا نروم سوى الوضوح والشفافيةوقد لا يكون أمامنا سوى الإنتظار.


*
وهل كان لهذه الحادثة, حادثة الحرم, وقع معين لترتيب خطواتك اللاحقة, أعني كيف اعتبرت منها وتعاملت معها خلال ابتداءاتك الدينية والفكرية كإمام مسجد وخطيب؟
**
هذه الحادثة جاءت قبل أن أصبح خطيباً, وكان أشد ما صدمنا فيها هي أننا لا نعرف ما يحدث إلاّ عبر الطريق الرسمي فقط وكانت له مصداقية جيدة ولا يخفى أثر هذا وأني لأصدقك القول, كانت بالنسبة لي منعطفاً تاريخيا, ولعل أولى فوائدها المباشرة هي أنها جعلتني أتساءل , أين يكمن الحق ? وأين يكمن الباطل? كيف يقدم هؤلاء على هذا العمل وأغلبهم من المقربين للشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله? عرفت فيما بعد أنهم أهل طاعة وعبادة وورع !! سبحان الله, وهناك تداعيات على المستوى الشخصي استوقفتني فأذكر على سبيل المثال أنني وبعد الفراغ من صلاة الفجر أذهب بحثا عن الجرائد, لأقرأ كل ما يكتب عن الموضوع في ذلك الحين, وأذكر أن معالي الدكتور محمد عبده يماني, وقد كان وزيراً للإعلام آنذاك والمتحدث الرسمي وكان يصرح يومياً عن الأحداث بأسلوبه الأدبي المتميز, وقد كنت متعطشاً حقاً لأن تنتهي هذه الأزمة, التي ما أردناها أن تكون وصمة في مجتمعنا, إذ لم نكن في الحقيقة مهيئين لها, ورغم صغر سني فقد كنت أتابع ما يجري, وأشعر بالانتماء المطلق والتأييد التام للموقف الرسمي, وخفّ هذا الحماس قليلاً عندما خرجت إلى صلاة الفجر مع الأذان, وكان عمري بين 18 و 19 سنة, واذا بآدمي يضع لثاماً ولسان حاله يقول (أنا ابن جلا وطلاع الثنايا .. متى أضع العمامة تعرفوني) يستوقفني بحدة رجال الأمن سابقاً, وهو يحمل جهاز لا سلكي وسألني: من أنت؟ ولم تكن البطاقة في تلك الأيام متداولة, بل الرخصة أو الحفيظة, وفي الحقيقة كان آخر ما أفكر فيه وأنا متوجه إلى المسجد أن أحمل معي هويتي, عموماً, سألني الرجل كماً من الأسئلة البوليسية المتداولة في العالم الثالث من أنت?.. فقلت أنا فلان بن فلان ذاهب إلى المسجد . فقال وأين سيارتك؟ قلت ها هي, وكانت سيارتي (داتسون 79 ) هدية من والدي رحمه الله بعدالتحاقي بالجامعة, طلب مني أن أفتحها ففعلت, فقام بتفتشيها تفتيشاً دقيقاً, ثم وبعد أن عرف أنني لا أحمل معي هوية, صعد معي إلى المنزل, وكان منزل أخي الدكتور صالح العواجي وكيل وزارة الكهرباء المساعد حالياً, لا منزلي, فرجوته أن يبقى عند الباب ريثما أعود بالهوية من الداخل بحجة أنني ضيف على أخي, على أية حال اخرجت الهوية فقرأها ثم ذهب في حاله دون كلام ولا سلام, فحمدت الله على العافية وهذه الحادثة, يا أخي الكريم, استوقفتني كثيراً, ذلك أنني كنت متحمساً جداً الى صف الدولة كما قال الشاعر (لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا), ولكن بعد أن تعامل معي هذا الرجل الذي لم يتسنى لي أن أسأله من الرعب ولا حتى عن هويته أو أن اطلب منه نزع لثامه, فهذا المشهد رغم كونه كان صغيراً مقارنة لي بما حدث فيما بعد إلاّ أنه جعلني أعيد النظر في موقفي ولو بيني وبين نفسي سداً , وبالمناسبة, فان مجتمعنا الطيب الصدوق كثيراً , يُحتال عليه بهذه الطرق, وقد يأتي من ينتحل صفة رجل الأمن فيطيعه المواطن ولا يجرؤ على أن يطالبه باثبات هويته أو وظيفته.. فبدأت أسأل نفسي لماذا فعل هذا الرجل معي ما فعل? فاذا كانت الدولة تريد مني ومن أمثالي أن أكون موالياً ومطيعاً ومتعاوناً فما الذي يدعو مثل هذا الرجل كي يتعامل بهذه الطريقة؟.. ولماذا عليَّ أن أكون مطواعاً ومستكيناً إلى هذه الدرجة؟
اذن , وقفت مع هذه الحادثة الصغيرة وقفة ضرورية, وعزمت بيني وبين نفسي ألاّ أكون مطواعاً بعدها على عمى, وقلت لنفسي لابد وأن يتبين لي مستقبلاً ما لي وما علي وهلم جرا..


*
لكن ما الذي أغضبك إلى درجة التفكير في موازنة علاقتك بالدولة, لمجرد أن رجل أمن استوقفك لبعض الإجراءات التي قد تضطر اليها كل الدول في العالم عندما تقع بعض المشكلات الداخلية.. كحادثة الحرم مثلاً أليس هذا ردة فعل غير عاقلة؟!
**
ماذا سيفعل شاب لم يبلغ العشرين من عمره وقد استوقف ليُتحرى منه حول أكبر خطيئة سياسية ارتكتبت, ثم تصور أن شاباً ليس عليه أية علامة من علامات التدين, كما يقال, ذاهب إلى المسجد بعد أذآن الفجر, وفي الرياض, أي على بعد أكثر من ثمانمائة كيلومتراً من مكة المكرمة التي وقع الحادث فيها؟ ماذا سيفعل هذا الشاب؟ وأيضاً لا يتوقع مني في ذلك السن أن أفهم القوانين فبعدها كان القيد يوضع في رجلي ويدي ولم أقل بأن هذا ساهم في تشكيل آلية التفكير عندي وأنا هنا لا أطالب بأن يكون أحد منا فوق القانون بل ما نطالب به وما ضحينا من أجله هو العكس ولكن إلى متى سيبقى المتهم عندنا مداناً حتى تثبت براءته أو البرئ مدان حتى يثبت براءته؟ هذه الأشياء أثرت نفسياً عليَّ وعلى غيري ونحن في تلك الأعمار, وهناك حادث آخر فعل في داخلي نفس الشيء, كنت مسافراً في نفس تلك الأيام من الرياض إلى القصيم, وكانت نقاط التفتيش بالعشرات, وهو أمر نستطيع تفهمه, لكننا كنا نفاجأ بأن العسكري حتى دون أية رتبة هو ممثل الدولة وحا فظ للنظام وبالتالي فإن أي تعامل سيء معه هو اساءة للدولة من وجهة نظرنا, وعليه كنا نعامل العساكر بكل احترام طوعاً وكرهاً, ولكنا نشعر بأن الطرف الآخر يتعامل معنا بكل عنجهية مستقلاً الظرف الحساس , وأنا على يقين بأن المسؤولين في ذلك الوقت لو علموا لحاسبوهم, وحتى لا يكون الأمر مجرد دفاع أعمى عن الموقف الرسمي اليك هذا الدليل: حدثني رجل من أعيان قبيلة مطير من آل الدويش بأنه كان أثناء أزمة الحرم في مجلس الأمير نايف وعندما قام أحد المتزلفين بمحاولة تحريضه علي الملتحين مستغلاً الظرف الحرج , زجره الأمير وقال: ليس لنا موقف من أشكال الناس وانماء نحاسبهم علي مواقفهم. وفي الحقيقة لم تكن المشكلة في أزمة الحرم مع المسؤولين الكبار فقد كان كلامهم إلى حد ما مسؤولاً ومتزناً ومقبولاً, بل كانت المشكلة مع من هم دونهم ومن الصغار تحديداً, ممن أرادوا تصفية حساباتهم الاقليمية والقبلية والشخصية بل والفكرية والمذهبية, وقد استغل هؤلاء الأجواء أسوأ اسغلال مع كل أسف, وأذكر أنني آنذاك كنت أمرد الوجه, وكان معي زميل ملتح, فقال له العسكري في نقطة تفتيش قريبة من ساجر : أنصحك بأن تحلق هذه اللحية, فقال له زميلي يا أخي اتق الله, فردّ عليه العسكري (شيلها أحسن لك) , وبطبيعة الحال لم يكن في وسعي زميلي أن يقول شيئاً بعد ذلك لأن الأجواء كانت طوارئ, فالحكمة تقتضي التأدب والصبر ومثل هذه المشاهد وهي كثيرة, تجعل من الإنسان الذي اعطاه الله عقلاً وقرأ قول الله تعالى (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) ويسمع إن دستور الدولة هو الإسلام وإن ما حلله الإسلام هو حلال وما حرمه حرام, وأن الحقوق والواجبات يجب أن تكون لله ثم يرى مثل هذه التصرفات سيقول بأن في الأمر خللاً ومن هنا, فإن الأحداث والمشاهد تترى, والشخصية تتشكل وضرورة الإصلاح تفرض نفسها مع الوقت.

الخطابة ساهمت في تشكلي


*
قلت لي, أيضاً, إن الجامع أسهم في بناء شخصيتك في تلك الفترة؟
**
نعم, لأن الخطابة هي ما اعتبرها عاملاً رئيسياً في العوامل التي اهتم بها في مسجدنا الجامع بمسألة تُعرف عند الانكليز بالـ (feedback) ومفادها أنني وعند نهاية الخطبة أطالب مجموعة من المصلين بتقييمها تقيماً واضحاً وصريحاً وخالياً من المجاملات, ليس تقييما إعلامياً كما تفعل بعض وزارات الإعلام في دول العالم الثالث, لا, بل كنت اختار لهذه المهمة بعض الأخوة ممن يتصيدون أخطائي , ليقيني بأنهم سيتقنون العمل أثكر من غيرهم حتى يبرزوا عيوبي بكل إخلاص, وقد افادتني هذه المنهجية في الاقتراب من مستوى معقول لا أزعم معه الكمال. ولا أخفي مرارة النقد الذي تعرضت له أول مرة, ولكن مع الوقت اصبحت أبحث عنه ولكما كان ظاهره المرارة كان باطنه عندي الحلاوة. وهنا اضافة لا بد منها, وهي أن مجتمعنا السعودي كان مجتمعاً منغلقاً على نفسه آنذاك, وكانت معرفتنا بواقع ما يحدث في العالم تمر من خلال الرقابة , وقد صنعت هذه الرقابة العقل الجمعي لمجتمعنا السعودي, ولم تكن لي أية وسائل أخرى للمتابعة المتنوعة كما هو الحال من أقمار اصطناعية أو إنترنت, وكان حال المملكة مثله مثل حال أية دولة من دول العالم الثالث أوإن شئت فقل الدول كلها, حيث تظل الدولة محصورة أيديولوجيا في حدودها الجغرافية وكنت ضمن ذلك النسق من النمط العام او النمط البرئ الذي يعتبر سمة وليس عيباً في بعض احوال المجتمع السعودي , كاحسان الظن بالآخر وإفتراض أنه على حق, وعدم تتبع السقطات والعيوب وعدم التشهير بالنّاس, فهي في حملتها ميزة وليست عيباً, وتخرجت آنذاك في كلية الزراعة, وتم ابتعاثي في أكتوبر من عام 1986, وقدر الله أن تكون وجهتي أبعد نقطة في بريطانيا على المحيط الأطلسي في مدينة أسمها (Aberstwyth) , وهي مدينة تقطنها جاليات عربية أغلبها عراقية ابتعثتهم دولتهم بأولادهم وعائلاتهم محاباة لهم لانتمائهم لحزب البعث العراقي, حتى لا يجندوا في الحرب الإيرانية العراقية مع بقية اخوانهم أبناء الشعب غير المنتمين لحزب البعث آنذاك, وكانت المدينة الخالية من المطار في ذلك الوقت, أشبه ماتكون بمنتجع عراقي لهم, يظل أناسه محافظين على الولاء المطلق للحزب الذي رعاهم كل هذه الرعاية استثناء, وكانوا يفعلون ذلك بطريقة فجة لا يقبلها أي انسان, وكانت هناك جمعية إسلامية تضم عدداً من الجاليات من مختلف الجنسيات , وفي تلك الأثناء نشبت معركة بين العراقيين والمصريين حول إدارة هذه الجمعية, وقد كانت المعركة متأزمة منذ سنوات عدة, وعندما وصلت إلى المدينة فرح العراقيون بمقدمي أيما فرح, خاصة إذا علمنا أن العلاقات بين العراقيين وكافة دول الخليج كان جيدة, عندما كانت تدعم العراق في حربه ضد ايران, ولدى العراقيون انطباع يقول لهم إن الخليج ليس أكثر من أناس سذج يمكن أن يمرر عليهم أي شيء ويستغلون مادياً وسياسياً, فرحبوا بي, كما قلت, ترحيباً بالغاً اما المصريون فهم بتقديري شعب طيب ومسالم ولا يتقصّد الشر كما يتقصده بعض العراقيين البعثيين, وقد رحب المصريون كذلك على حذر, ومثل ذلك فعلت باقي الجاليات المسلمة, ولك أن تتصور وصولي من الرياض من قلب نجد إلى ايرستث ليلاً , وفي الصباح جرت الانتخابات لاختيار إدارة الجمعية وفزت بها بالإجماع, وظللت بعدها رئيساً للجمعية طيلة ثلاث دورات انتخابية حتى تخرجت من الجامعة, طبعاً لأنني كنت حاكماً عربياً - قالها متندراً- وأعتبر هذه الجمعية بمثابة مدرستي الثانية والمهمة جداً في حياتي, لأنها المرة الأولى التي أخرج فيها عن البيئة التقليدية والمحافظة جداً, والبطيئة في التفاعل مع التغيرات إلى أن أكون في حجم التقلبات غير المنضبطة إن جاز التعبير, إن جاز التعبير, بين البعثيين والقوميين والايرانيين والماليزيين والاندونيسيين وصوراً من متناقضات العالم الإسلامي ومع هؤلاء تذوقت حلاوة السلطة وتجرعت مرارتها, رغم أنها كانت سلطة اعتبارية بسيطة إلاّ أنها نموذجاً يصعب اغفاله, وكرئيس لجمعية مستقلة, أتعامل مع الجامعة هناك ومع هؤلاء, ولم أكن قد تعودت آنذاك على اللغة الانكليزية, وكان لزاماً عليّ في خلال عام واحد أن أكون خطيباً مفوهاً بالانجليزية, فرئيس الجمعية, لزاماً عليه أن يخطب بتلك اللغة, وحتى اصبح والحمد لله حديثي الشفوي بالانكليزية أكثر انسياباً من لغتي الأم, وهذا بفضل الله ثم بفضل تلك الجمعية,وخاصة أزماتها الفكرية والأمنية وبقيت عاماً كاملاً في الرصد الحذر والمتابعة لفهم الجاليات داخل هذه الجمعية, اتهمت خلاله بالضعف أمام البعثيين, وكانت الحصيلة أننا قمنا بتنظيف الجمعية من العراقيين في معركة حدثت في يوم الكريسماس1988م وتدخل فيها البوليس الانكليزي ونقل مجموعة من المصلين الى المستشفى وأخرى للتوقيف, وكذلك السفارتين السعودية والعراقية, وترتب علي ذلك طرد الجالية العراقية ليس فقط من الجمعية الإسلامية بل ومن اتحاد الطلاب في الجامعة, ومنع البوليس العراقيين من التحدث معي مباشرة الا عن طريق التنسيق بين السفارتين السعودية والعراقية على بعد ثماني ساعات بالقطار وهذا يعني أنني أجلس مع العراقي في نفس القاعة بالجامعة لكن دون أن يكلم أحدنا الآخر, وإلاَّ لأعتبر ذلك مخالفة, ومع كل أسف فان البعثيين العراقيين لا يصلح معهم غير هذا الأسلوب, لأنهم كانوا أسوأ من يمثل الجالية العربية في تلك الجامعة, فهم يسكرون في البارات وعند الانتخابات يأتون ليقرضوا أصواتهم بحكم كثرتهم وشراستهم, وهم لا يصلون مع الناس الا ما قلّ, والذي يصلي منهم تُكتب عنه التقارير فيحرم من النفقة فيبكي كمايبكي الطفل.
وفي تلك الأثناء انجزنا دستوراً للجمعية, ومسألة الدستور هي تطور بالغ بالنسبة لي فهناك لجان فرعية وجمعية عمومية ولجنة تنفيذية, كما أصدرنا دورية تحولت إلى مجلة اسمها (صوت الإسلام) باللغة الانكليزية , وقمنا بعقد عدد من الندوات والمحاضرات واستضفنا الكثيرين من المفكرين والدعات ,أمثال يوسف إسلام, بل وعقدنا مناظرات بين بعض رجال الدين النصارى والمسلمين , وعرضنا أشرطة لأناس مهتمين بالدعوة إلى الله في الغرب بصفة عامة مثل الشيخ أحمد ديدات شفاه الله وأعظم أجره , وبالتالي فقد شعرت بأنني دخلت منظومة جديدة, وانتقلت مما نسميه نحن ببيئتنا المحلية السلفية المنغلقة على نفسها, إلى ما يمكن أن أسميه بالعالمية الاسلامية, بحيث ننتقل من كليات الدين المجمع عليها نزولاً الى فروعه التي ليس بالضرورة أن يكون الخلاف فيها خطيراً, لزاماً على من يكون على خط التماس الحقيقي بين الاسلام والكفر أن يكون أكثر تسامحاً ورفقاً لدعوة الناس إلى الدين لأنك تجد نفسك بين مسلم وغير مسلم, وتبدو مناقشة مسألة كمسألة الحجاب مثلاً ليست ذات أولوية, فاذا كان الحجاب هو تغطية الوجه بالكامل أو النقاب فهو مقبول هناك, بل وحتى إن وجدنا متجاوزة من غير حجاب فاننا لا نجعل أمرها أولوياً, لأننا في بيئة مختلفة عنا, وتجدني استطردت ههنا حتى أبين لك أن مثل هذه الأشياء هي التي بدأت تبني آنذاك نظرتي الشاملة للأشياء , وعدم حجر نفسي في زاوية ضيقة تحد من انسيابية الحركة وهي نظرة أسأل الله عزّ وجل أن يجعلها خالصة لوجهه وأن تكون في ما يرضيه جلّ وعلا, وبعد انتهاء سنوات البعثة الأربع, عدت إلى السعودية وتم تعييني في الجامعة كما ذكرت, وفي تلك الأثناء جاءت أزمة الخليج الثانية بعد عام وقدمنا فيها مشروعنا الإصلاحي و..


*
دعني اقاطعك هنا في لفظة الاصلاحي وأعترض فربما كان هناك من يراها تمرداً وهناك من يراها خطأ قياساً علي نتائجها الآنية.. هل تتفق معي أننا نترك ذلك للتاريخ.. هو الذي يحكم.
**
لا بأس, لنترك الحكم للتاريخ.


حرب الخليج الثانية


*
من المؤكد أن حرب الخليج الثانية كانت منعطفاً مهماً يضاف إلى مسيرتك المتمردة وشخصيتك الثورية, ولا أقول شخصيتك الاصلاحية لأن الإختلاف ما يزال قائماً وموكولاً للتاريخ وقد إتفقنا على ذلك, اذن كيف أسهمت حرب الخليج في زيادة جرعات التمرد لديك وما هي أهم ملامح ذلك التاريخ الآن بالنسبة إليك؟
**
نحن يا أخي الكريم نسيج مجتمعنا, وعندما أقول (نحن) فانني أقصد كل مخلص يتبنى الإصلاح , بغض النظر عن خلفيته التاريخية أو الاقليمية أو الفكرية, وأنا لا أزعم أنني من المصلحين فأنا من أدناهم والمسلمون يقوم بذمتهم أدناهم, ولماجاءت أزمة الخليج كشفت , في الواقع عن أشياء مذهلة على المستويين الرسمي والشعبي, وطفق الجميع يفكر حول ما إذا كان الماضي تضليلاً متعمداً أو اجتهاداً لم يوفق للصواب, أم أن مفاجأة الحدث كانت أكبر مما يتصوره المسؤول والشعب والعالم على حد سواء? وأشد مَنْ صُدم لما حصل هو كيان دولتنا السياسي, وقد انسحب الأمر علناً في المجتمع, وصدمة الدولة نشأت من عدم توقعها أن تقدم دولة كالعراق, لطالما دعمتها الدولة السعودية دعماً لا محدوداً, بل إن الدولة السعودية لم تسلِّح نفسها بقدر ما سلَّحت العراق للدفاع عن أرضه, ولكن حكومة العراق رجعت بتلك الحراب نحو دولة شقيقة هي الكويت وكان الأمر, وحتى لا نظلم صاحب القرار في وقتها عندما استدعى قوة أجنبية, وقد لاقى هذا القرار معارضة من الكثير منا حتى الآن, وبتقديري فإن ولي الأمر لم يكن له أي خيار غير ما فعل, والسؤال الذي لا يجب أن يغضب الناس بطرحه هو ما الذي أوصل المجتمع السعودي خاصة والخليجي عامة إلى أن يصبح غير ولي الأمر لا خيار له في التعامل مع تلك الأزمة إلاّ من خلال التعاون مع قوة أجنبية? وأشد ما استثارنا في أزمة الخليج وجعل روح ما تسميه بالتمرد تنمو عند بعضنا, هو أن العالم كان يتحدث خلال يومين عن تغيرات تكاد تعصف بوجه الكرة الأرضية كله , ونحن لا نسمع من إعلامنا المحلي أية كلمة حول الموضوع, ولا نسمع من أي مسؤول أية لفتة عن الموضوع, مع أن الأمر يعنينا مباشرة فهو لم يكن يتعلق بثوار نيكاراغوا مثلاً, ولا يخص الخمير الحمر, بل كان يعني أن بيتنا الخليجي يحترق من داخله, وكانت الدبابات العراقية في تلك الأيام على مشارف حدودنا, وكان الإعلام السعودي يتكلم برتابته المعتادة والمملة العادية وكأن شيئاً لم يقع, ألا يحق لكل ناصح من مثقف ومخلص لهذا البلد, والحال كهذا, أن يرفع صوته عاليا ويتساءل لماذا هذا التضليل? نسمع أخبارنا من لندن ومن واشنطن وإيران, ومن هذه الجهة وتلك, وخليجنا ودولتنا وإعلامنا وهو المستهدف الأول في هذه الحالة , كان ينتظر أن يقال له قل كذا وكذا.


*
ولكن ألا ترى معي أن السياسة العامة آنذاك كانت تستدعي مثل هذا التصرف الذي تصفه الآن بالتعتيم, خاصة إذا علمنا أن محادثات تمت بيننا وبين العراقيين وفق قنوات معينة مهمتها محاولة معالجة المشكلة ورأب الصدع وتجنيب المنطقة كارثة ما حدث؟
**
الاتصال بالعراقيين كان في الاجتماع الذي رأسه الملك فهد بين وزير الخارجية العراقي عزت ابراهيم والكويتي صباح الاحمد, وكان هذا الاجتماع قبل غزو الكويت بساعات, وقد ذكرت وكالات الأنباء أن ضيف السعودية آنذاك عزت ابراهيم تفاجأ بدخول قوات بلاده إلى الكويت, وهو الذي كان مندوباً لإصلاح ذات البين, نعم هذا حدث قبل الغزو ولكني بصدد ما بعد دخول العراقيين للكويت, وما أقوله لك الآن نابع من شدة حرصنا على هذه الدولة, فالطرق التي تتعامل بها الدولة سياسياً واقتصادياً وإعلامياً في الستينات والسبعينات الميلادية ليس بالضرورة أن تكون فعالة ومقبولة في العقود اللاحقة إذ لا بد من مواكبة التغيرات ومستجدات العصر بما يناسبها, والناس كما يقال كبرت وتلقي المعلومة لم يعد حكراً على وزارة الاعلام, ومع الأسف فإن الإنطباع العام عند الناس أن مصداقية المعلومة التي تؤخذ من الإعلام الخارجي لا تقارن بالإعلام المحلي, وهذا لأنه ليس ثمة من هامش متاح للمثقفين الغيورين والإصلاحيين الناصحين ليتحدثوا بحرية ولو نسبية, وبمصداقية مقبولة أمام العالم, وانعكاسات هذا الوضع السلبية ليست سهلة البتة, وقد ظهرت قنوات متمردة ومستقلة لا يمكن لنا مواكبتها, صارت تتحدث عن المعلومة بشكل شفاف ومتميز ونحن اذا ما رفعنا سقف الحرية وحق الاختلاف فإننا لن نضاهي أو نواكب محطة كقناة (الجزيرة) مثلاً, ولك أن تتصور معي أن الإرث النفسي عندنا هو ما يعيق وصول أية اجتهادات منا إلى مشارف قناة (الجزيرة) وهكذا يمكنك أن تقيس على ذلك اجتهادات الـ(MBC) وبعض محاولات التلفزيون السعودي نحو الأفضل دون الوصول إلى المستوى المنشود , وهي اجتهادات ومحاولات تمنيت لو أنها لم تحدث بهذه الصورة, لأنها كانت تشعرنا بأننا نعرف المشكلة ولكننا لسنا مستعدين للوصول إلى الحل إلاّ عن طريق مضاهاة الآخرين وتقليدهم حتى لو كنا لا نملك القدرة على الاقتراب من شجاعتهم, وفي واقع الأمر , لقد سمعت من الأمير نايف كلاماً أعجبني, بيّن فيه نظرته الإعلامية الواقعية وملاحظاته التي اتفق معه عليها حول اخفاقاتنا الاعلامية, ولكن تمنيت أن تنعكس هذه الرؤية للأمير على وسائل الإعلام, وأتمنى رؤيتها فعلاً وواقعاً مطبقاً وملموساً في كتابات الصحفيين والغيورين وفي محطات التلفزة المحليةوشبه المحلية فنحن الآن في عصر الفضائيات والانترنت, ولا بد أن نعيب بقاء الأخطاء مراوحة في المكان محلياً وخارجياً, ونحن نريد أن نحافظ على هويتنا وأن نظهر إلى العالم بوجهنا الحضاري بكل شجاعة وفخر قائلين له هذه هي هويتنا وهذا هو تاريخنا وهذه ثوابتنا, ولا يهمنا بعد ذلك من يعارضنا, دون أن نسعى إلى تقليد الآخرين, هذا ما يخص الصدمة الأولى, أما الصدمة الثانية فبعد الغزو العراقي, فإن الناس قد تعودوا قبل أزمة الخليج الثانية على فهم معين يقودهم إلى الاعتقاد في أن للعلماء مقام مطبوع بالتقدير, ويعتبرون أنه إنْ لم يكن موازياً لمقام السلطة السياسية فهو يليها مباشرة فكلمتهم مسموعة ورأيهم معتبر.
وياليت هذه المصداقية وتلك المكانة استمرتا , ومع الحدث ووقوعه الجلل, لم يجد الناس صوتاً من الجهات الرسمية متحدثاً عنها, وفي نفس الآن, لم يكن العلماء يستوعبون ما حدث, وبطبيعة الحال لم يصدروا شيئاً كعادتهم لأنهم لم يكونوا يصدروا شيئاً ابتداءً, وفي الحقيقة نحن (الشعب) , لم نسمع شيئاً وقد بدأنا نعتب على السلة السياسية وبنفس الدرجة نعتب على السلطة الدينية والسياسية منذ قرون, خاصة وأن المجتمع السعودي هو نتاج تزاوج بين هاتين المرجعيتين الدينية والسياسية, وبتقديري فإن المجتمع السعودي ماكان ليستقر الا بوجود هاتين السلطتين جنبا إلى جنب وبصورة فعالة وحيوية, وتصور معي مجتمعا تحدث به الخطوب, ولا تحرك مرجعيتيه الاساسيتين ساكناً! ولم تقتصر الصدمة على التيار الديني فحسب, بل وعدداً من التيارات الأخرى, وإذا سألت عن التيارات الليبرالية التحررية المعروفة تجدها قد استغلت الظرف لتعاود محاولات الاختراق الثقافي , إذ استغلت ضعف الدولة وحاجتها لأمريكا لكي تستورد من حضارة وطبيعة المجتمع الامريكي بعض الافكار الغريبة على مجتمعنا الى مجتمعنا المحافظ, فبدأوا بتجربتهم الأولى بتنظيم مظاهرة النساء للمطالبة بـ(قيادة المرأة للسيارة) وفي الواقع فإن مظاهرة النساء بالنسبة لنا تعدل أزمة الخليج من الناحية الفكرية فهي منعطف هام جداً, كانت طبيعة المعارضة الإسلامية ليست ذات صبغة انتقامية ولا تمردية لكن كانت مناصحة بطريقة تقليدية بحتة, دعك مما حدث في بعض الأزمات الاستثنائية كموقعة (السبلة) بين الملك عبدالعزيز وجنوده وما حدث في الحرم فتلك ازمات استثنائية وأعتقد أن تلك المواجهات كانت عسكرية بالدرجة الأولى وليست فكرية لأن النزاع والصراع الفكري يفترض ألاّ يخالطه ويشعبه العنف قدر الامكان, وبالنسبة لوسائل التعبير والمعارضة والاستياء التي كان التيارالإسلامي معتاداً عليها فهي عبارة عن تراتبيات بين الولاة وبين المشايخ, إذ أن المشايخ كانوا يناقشون الولاة وينقلون وجهات نظرهم ?? الأمر عند براءة الذمة, وبمعنى أن الشرعية موجودة حتى في المعارضة, وبمعنى آخر فإن الإقرار بتلك الشرعية والمرجعية موجود حتى في أساليب معارضة الإسلاميين, فهم إذا رأوا منكراً أو مخالفة كتبوا إلى ولاة الأمر ناصحين إياهم ولا فتين انتباههم , وعليه فالإسلاميون لا يعرفون المظاهرات اسلوباً ولا الاضرابات تكتيكياً ولا التخريب وسيلة , فلما جاءت (مظاهرة النساء) , تبدّى كتمرد من نوع خاص, إنه تمرد على الشرعية والتاريخية السعودية نمط الحكم, بغض النظر عن أسباب خروجهن, وكان في هذا الخروج تحدٍ صارخ للسلطات كلها وللأعراف السائدة , وإذا بالنساء قبل الرجال يبتدعن مصطلحاً عملياً جديداً لم يألفه المجتمع السعودي هو مصطلح (مظاهرة) , وبطبيعة الحال, اتخذ المجتمع المحافظ موقفه عن طريق العلماء, وماحصل هو أن المعارضين توقعوا تقديم هؤلاءالنساء إلى المحاكم الشرعية, لأنهن تمردن على شيء مألوف وعلى شرعية سياسية تحرم المظاهرات, وعلى وضع متفق عليه, و(متفق عليه) هذه أضعها بين مزدوجين, ذلك أن كثيراً مما نعتبره (متفقاً عليه) يخرج عليه معارضون فنكتشف أننا إنما كنا نخدع أنفسنا باستسهال الاتفاق الجمعي, وعلى أي حال , تم ايقاف النساء في نفس الليلة, وفي الحقيقة لم يكن ايقافهن يشبه لا من بعيد ولا من قريب اعتقال الإصلاحيين, ولا يشبه حتى اعتقال الداعيات الناصحات كذلك, المهم في الأمر أن المتظاهرات اعتقلن وأطلق سراحهن خلال اربع وعشرين ساعة فقط.
وهنا يجب أن أقول إنني أحترم وأقدر عالياً حرص المسؤولين ستر الكثير من الأمور, أحترم ذلك جداً ودون أي مزايدة, وأحترم أيضاً تداركهم لأي أمر لئلا تكون له تداعيات إعلامية ينفذ من خلالها المتربصون بالبلاد والعباد, ولكن هذا الأمر من وجهة نظر المعارضين للمظاهرة لم يجر سراً, فهي قضية علنية غيرت مجرى التاريخ المحلي بالنسبة لنا على المستوى الفكري, الذي حدث أن ا لناس خرجوا عن طوعهم وتم شيء من الانفعال العام والكلام العاطفي, وصار بكاء وخطب على المنابر وحتى من غير الإسلاميين, وأذكر أحدهم وقد اختصر الحالة في عبارة تساؤلية تقول : هل النساء أكثر جرأة من الرجال؟.. ليست قضيتنا هي قيادة المرأة للسيارة, بل دعونا نفكر في حقوقنا التي كيت وكيت وكيت وهكذا, نعد كل تلك الأشياء التي يفعلها العالم الخارجي , وتأكد لنا هذا الأمر حينما اجتمع جمهور من الشباب والدعاة والمشايخ في لقاء مع الأمير سلمان في مركز الافتاء, وكان من ضمن حضوره الشيخ ابن باز رحمه الله, ونخبة علماء البلد, وكان هناك آلاف مؤلفة من الناس خارج المبنى جمعهم دوي الحدث وندرة العلاج وضبابية الموقف الرسمي, وكانت هي المرة الأولى التي ترى فيها الجماهير بهذا الحجم وهذا الشكل, وقد حضرت هذا الاجتماع بناء على دعوة, وهالتني هذه الحشود البشرية لأول مرة, ورحت مستغرباً كغيري, كيف للمجتمع السعودي الذي لا يعرف المظاهرات ولا التجمهر, أن يتحول في هذه اللحظة الاستفزازية إلى آلاف من البشر يحاصرون بهدوء وبروح سلمية منقطعة النظير المبنى الذي يضم عدداً من المشايخ بمعية الأمير سلمان في تلك الليلة, وكان الجميع مأخوذاً بالمشهد المميز لا يدري ماذا يقول ولا ماذا يفعل, وقد وُعد المشايخ وعداً في ذلك الاجتماع وقد تم تنفيذه فيما يبدو لي, ولأنني كنت في جامعة الملك سعود كنت أعلم يقيناً أن النساء لم يفصلن من أعمالهن, صحيح أن الدولة قررت ابعادهن عن العمل لكن النساء ظللن يتمتعن بصرف رواتبهن بانتظام وهذا تكريم يتوق له كل موظف, وعندما أقول إنني متيقن من ذلك فلأن عدداً منهن كان يعمل في جامعة الملك سعود, ويا لها من عقوبة مغرية تلك, فكم واحد يتمنى أن يقوم بحركة ما ليفصل من عمله ويجلس في بيته ويتلقى , مع ذلك , راتباً لكن هذا الخبر تسرّب, وسبّب نوعاً من الاستياء من قبل الناس تجاه الدولة, فالدولة عندهم سلفية بتاريخها, ومحافظة بسلوكها, ولم تتنكر يوماً من الأيام لتاريخها الأيديولوجي فما الذي حدث وأصابها, أهو الضعف? إذا أحسنا الظن قلنا إنه الضعف والاستكانة أمام الأزمة التي كانت تحدث, ولا نريد أن نسيء الظن لأن اساءة الظن ليست منهجياً مستحسنة, هل استطاع التيار الليبرالي, أن ينفذ من خلال الأزمة ليحرج الدولة والمجتمع المحافظ على حد سواء, أي أن يضرب الحليفين التاريخيين ببعضهما, مبتدءاً بقضية شكلية هي قيادة المرأة للسيارة, أم أن المسألة هي, وفقا لنظرية المؤامرة, هي ترتيب أمريكي? أي أنه آن الأوان لتتحرك الآليات العالمية لتخترق المجتمع السعودي المحافظ وفرض أشياء معينة في ما يخص المرأة وغيرها? ولاحظ معي أن المستهدف في هذه الحالة هو المجتمع والدولة على حد سواء, ذلك أن ما يصيب الأيديولوجيا المحافظة هو ما سيصيب الحاكم نفسه, لأن ما يراد أن يستورد من الغرب هو أن تأتي بالمنظومة الغربية كلها بما فيها انتخاب الرئيس نفسه, وأنا هنا لا أعترض على هذا أو ذاك, بقدر ما أنني أتحدث عن التسلسل الزلزالي الذي جعل آلاف القارئين للتاريخ مثلك - أستاذ عبدالعزيز- الآن يستغربون: كيف حدث هذا وكيف وقع ذاك؟ .. أنا بنفسي استغرب اليوم كيف عملت ما عملت جراء تلك الأحداث, لكنني وبكل أمانة لو كنت في مثل تلك الظروف الآن لعملت مثل ما عملت سابقاً, لأنه يصعب عليّ أن أفصل نفسي عن واقعي وظرفي الزمان والمكان واستطراداً أقول إن مظاهرة النساء أعطتنا ضوءاً أخضراً, وفوق الضوء الأخضر ما نزع أولاً مهابة الدولة في أزمة الخليج, وبالتالي بدأت المغريات تتراكم. وبدأت تجربتنا في مسيرة الإصلاح.

 

 

مكاشفات الجزء الثاني

 

 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8