مراسلات فكرية مع الشيخ عبد العزيز التويجري (1-2)

تقييم القراء: / 3
ضعيفجيد 

سعادة الأستاذ خالد المالك

رئيس تحرير جريدة الجزيرة المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد

وفاء لفقيدنا المرحوم - بإذن الله تعالى - الشيخ عبد العزيز التويجري وإيماناً برحابة منبر جريدة الجزيرة التي تميزت بتغطية مآثر الرجل بعد وفاته، آثرت منبركم لنشر هذه المراسلات الخاصة بيني وبين الشيخ التي أثارها كتابه (ذكريات وأحاسيس نامت على عضد الزمن) الذي تفضل بإهدائه إلي فوجدت في الكتاب ما شجعني على محاكاة أحاسيسه الجميلة فرحا بما كشفه فيها من تأملات ومراجعات، تعكس في مضمونها خلاف ما يروجه عنه خصومه المرجفون، فكانت تلك المراسلات الصادقة بيننا التي بدأت برسالة خاصة جداً صارحته فيها مصارحة أخجلني بتقبلها بصدر رحب ولا أرى نشرها وفاء وتقديراً له، على الرغم من أنه لم يعترض على فكرة نشر جميع الرسائل، ثم توالت المراسلات المرفقة لسعادتكم التي كشف فيها مزيداً مما يجول في صدر من أنهكته السنون وتخطفته المنون، فكان أن صاحبته طيلة السنوات الخمس الماضية لا يكاد يمر شهر دون لقاء في بيته صحبة من يصدق صاحبه ويصدقه ويستفيد من تجاربه وخبراته على ما يرضي عنا ربنا جل وعلا.

أطلب من سعادتكم التكرم - مشكورين - بنشر هذه الرسائل بجريدتنا الموقرة، رغبة مني ومنه مؤكداً لسعادتكم أنني قد استأذنته بنشرها جميعاً بحضور أبنائه فأذن لي دون تردُّد، لكني أجّلتها لمثل هذه الأيام عسى أن يقرأها من يضفي على رفاته مزيداً من الترحم والدعاء، شاكراً لكم حسن تعاطيكم مع الحدث الجلل رحم الله الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى.

وتقبلوا خالص تحياتي.

أخوكم/ محسن العواجي

4-6-1428هـ

***

التاريخ: 2-8-1421هـ

29-10-2000م

أخي العزيز الدكتور محسن العواجي سلمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أخي:

لا أعرف ماذا أقول، وما دمت أجهل لا أجد لي مدخلاً كريماً إلى رسالتكم الأخوية المؤرخة في 1-8- 1421هـ إلا أن أعود إلى نفسي، وإليك استقرئ رسالتك على ما فيها من قولٍ كريم وضوءٍ اقرؤك على مصباحه في هذه الرسالة. فماذا أقول فيما قرأت؟ إنه النقاء والصفاء النفسي والصدق.

لا أدري يا أخ محسن والأيام معي تجادلني وأجادلها على مفاهيم هي ما تكدر مزاجي النفسي، أقف منها متسائلاً وأُلح في التساؤلات لإحساسي أنني فاقد شيئاً عزيزاً، وعاجز عن أن أعبر عنه.. ظللت أحفر طريقي إليه منذ كنت ابن خمسين عاماً، وكلما أعجزني الحفر وأوشكت أن تضعف إرادتي وجدتُ الجواب في قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الْإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ }، فعسى أن يوفقني الله ويهديني إلى سواء السبيل!

ما أسعدني بك أيها الأخ وبتعاطفك مع شيخوخة تعيش العصر وتعايش أهله، صابرة على ما تأتي به الطبيعة البشرية من خير أو شر . سامح الله كل من ظن بي الظنون وعفا عنه وأعانني على احتماله!

أخي:

رسالتك الأخوية أثارت في نفسي أشياء كثيرة كان لي منها أعظم العزاء، فقد قلت شيئاً جميلاً وكريماً، وأوشكت رسالتك أن تذهب بي بعيداً داخل نفسي، ويا ليتك تواصل بي الطريق إلى البعيد. وما البعيد؟ إنه في غيب الله، هو ما أتحسس طريقي إليه اليوم. يوم أتأمل نفسي وأحاول أن أكون معها في خلوة ذاتية لاستعطفها أن تشفق عليّ أشعر أنّ شيئاً يهمس لي أن لا تبتئس فلا شيء غير رحمة الله!!

ما أجهل الإنسان في بعده عن نفسه وعن نعم الله عليه....! وهي نعم بالغة الحكمة، مكان الإنسان منها في الصدارة. أما كيف؟ فهو ما لا أستطيع الجواب عنه، وقد لا يستطيعه غيري لأنه الكمال المطلق في الحكمة البالغة في هذا الخلق البديع. أمامنا اليوم عوالم وأكوان أذن الله للإنسان بأن يرتادها.

إذاً، لتقف بنا تأملاتنا أمام الإنسان ذاته الذي أكرمه الله وأعطاه هذا السلطان على كل محسوس وملموس، ولنوغل في تأملاتنا فيه لعلنا نبصر شيئاً كيف هو في عبوديته لخالقه، وهل وعظه الموت؟ ووعظته المدافن؟ وهل وعظته الشيخوخة وأيقظ الهرم شيئاً في نفسه؟ هل اتعظ بالآية الكريمة { وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ } لا أدري، ولا أصاب بالهلع، فظني بالله حسن، وأمر العباد إليه، جل وعلا.

ولا أدري هل توافقني أنه ليس في إمكان إنسان أن يستقبل موعظة الواعظ وهو مغلق النوافذ الذاتية، بليدة أحاسيسه، وناعسة مشاعره، وغافٍ وجدانه وضميره؟ أعيب على الإنسان الغافل عن نفسه، تجاهله ما لهذه النفس من قدر كبير. ماذا لو تصالح معها الإنسان وأصغى إليها بعقله وروحه؟ ماذا يمكن أن تُسمعه وتعظه به؟ أو ترشده؟ إنه القول الفصيح والهداية الإنسانية إلى الخير والفضيلة.

تساؤلات تتداعى بها رسالتكم المخلصة، هي ما أخذتني إلى عوالم ذاتية وخارجية وكونية، هي ما تضغط على تفكيري وتقول لي: إن هذا الأخ الذي أحسن بك الظن ولم يتردد في أحكامه الخيرة عليك، لم يتأثر بحكايا القاعدين على الطرقات من كسالى الذهن والإرادة، من يرمون بالأحجار المارين على عجل في طريقهم إلى الكدح. نعم، إن هذا الأخ يعيش داخل نفسه في نقاء وصفاء روحي وذهني، إنه أخوك محسن، أحسن الله إليه!

أخي محسن:

كثيراً ما تسائلني، خاطرة بائسة، من هذا العصر، خائفة منه ومن أهله، واضعة على طريقي إليه علامات استفهام، هي خاطرة خائفة على مسجدها، خائفة على تراث أهلها، على قيم الأم والأب والجيران، كثيراً ما اعترضتني وقالت لي: ادخل مسجدك ولا تخرج منه!! فقلت لها: لقد دعوتني إلى خير وهديتني إليه، ولكن ديني ودينك الإسلام ، رسالته التي هي رسالة الله لكل البشر، ألسنا مسؤولين، نحن المسلمين، عن تبليغها، عن مجادلة الشر بالخير؟ وتبصير الجاهل بعظمة هذه الرسالة؟ ألسنا مكلفين بأن نبلغ ونسعى في الأرض؟ أسائلها وأقول لها: نعم، أدخل مسجدي وأؤدي ما عليّ وأخرج إلى طلب رزقي والاهتمام بكل ما عليّ من واجبات، ومن هذه الواجبات أن هناك ما جدّ في العالم من متغيرات وتبدلات صارت بديهية، إذا لم أسع وأتعرف إليها وإلى عالمها وأقل لها: من أنا ما قيمي، ما ديني، وأجادلها بالحسنى، فهل ستتركني وعزلتي؟ أبداً، هي آتية إليّ من الأرض والفضاء، هي مقتحمة عليّ غرفة نومي، وربما معها الوقاحة ومعها الفتن الغرائز، وربما العقائد والمذاهب والشعارات المضللة. فقد كفكف العلم اليوم، وكفكفت الاتصالات سيقان البُعد الزمني، ولملمت الكرة الأرضية أبعادها حتى كأنما صار هذا العالم يعيش في مدينة واحدة خطيبها على منبر واحد. مما يجب معه ألا توحشنا سلبيات هذه الزحوف التي أتت وفيها العليل وفيها السليم، أي الإيجابي والسلبي.

هكذا يا دكتور محسن، أشعر بمسؤولية الإنسان المسلم، فهو حامل رسالة إنسانية، مسؤوليته منها كبيرة وعظيمة.

أخي:

رسالتك إليّ حاولتُ أن ألبسها فاتسعت عليَّ وتمددت، فأردت أن ألملم هذه السعة لعلِّي أستطيع أن استجدي من عاطفتي ومن تفكيري الجواب عنها، فقالت لي هذه النفس: أرِح نفسك، فإنك مشتت الذهن، أخشى أن يأتي جوابك من هذا الذهن المشتت والقلق، وهنا استعجل خاتمة هذه الرسالة أن تقول كلمتها الأخيرة قبل الضياع وراء القلق والتشتت الذهني.

نعم أخي:

تسألني وتقول: ترى هل قسوتُ عليك؟ ثم تقول: لا، والله أبداً. السؤال يناسبني فلماذا لم تترك لي الجواب عنه؟ لماذا لم تَدَعْني أقل لك أنا: لا والله ما قسوتَ عليّ أبداً، بل مسحت جروحاً بقلب الشيخ، وأثرت شجوناً كانت في آخر نَفَس واحتضار، كان الإنسان فيّ بائساً وجائعاً وظمآن، فأروت رسالتك ظمأه وسدت جوعه ومسحت على بؤسه.

ولا أدري، وتساؤلك يوقفني أمام قولك: (أين يقف الشيخ)... إلى آخره.. إنه تساؤل واسع عليّ والجواب عنه مرهق. ثم تقول في آخر الرسالة: (أعلمُ أني أكثرتُ عليك) ما أكرم هذا السخاء!! وهذه النفس الكريمة التي جادت وأعطت!!...

فإليك أيها الأخ العزيز تداعت نفسي بهذا الشكل، وهامت عشقاً برسالتك، فجاء الجواب من هذا العشق الروحي، تنقل بي في قفار كل ما فيها مربع وجاذب، فاستجبتُ له، فجاءت رسالتي تمشي إليك على خفر... فعسى أن ترتاح بين يديك ليرتاح الشيخ براحتها...

وختاماً لك تحياتي واحترامي.

أخوكم

عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري

***

التاريخ: 8-8-1421هـ

شيخي الأديب والمفكر أبا عبد المحسن - عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري .. حفظه الله وسلمه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:

لقد وصلتني رسالتك الكريمة المؤرخة بـ 2-8- 1421هـ وصلك الله بالخير، ورفع قدرك، وأعلى مقامك أن شرفتني بتلك الرسالة التي لم يمنعني جمال أسلوبها، ولا سحر كلماتها ولا صدق فحواها ولا مكانة مرسلها عندي، من أن أقف مع نفسي مرة أخرى معاتباً، خجلاً ألا أكون تجاوزت في رسالتي السابقة حدود اللياقة الأدبية في حق شيخي وأستاذي الذي جرأني على نفسه بتواضعه وآنسني بسحر بيانه، لكني عزيت نفسي حين ذكّرتها بقصة ذلك الأعرابي الذي جاء مراهناً على حلم معن بن زائدة الشيباني!!!! فلا أقول بعد رسالتك تلك إلا: عفواً أيها الشيخ الكريم فلا والله لست أهلاً لما جادت به بلاغتك، ولا ما رسمه مدادك من كرم الرد ولطف التقبل، ولا عجب فكريم الطباع والخصال كريم الحواس أيضاً، فقد أحسنت الظن بعبد الله الفقير إلى ستر وعفو خالقه، فعفا الله عني وعنك وجزاك عني خير الجزاء، وكتب لك الخير حيثما كنت.

أستاذي المحترم:

وكما كنت أتوقع من مثلك، جاءت رسالتك الكريمة تتويجاً لتلك الانطباعات التي خلفها الكتاب الذي سطرت به صدق مشاعرك فصادفت قلباً خالياً فتمكنت، لا ومع هذا لا تتردد أن تقول فيها متواضعاً (وياليتك تواصل بي الطريق إلى البعيد..) وأنا أقول لشيخي -أبقاه الله- أنا الذي يتمنى أن تواصل به الطريق إلى البعيد وعلى بصيرة، فلست والله من يجاريك أدباً وخبرة ونضجاً وتجربة!! لكن لعل الله الذي علم حاجتي لمن يختزل الزمان هيأ لي شخصكم الكريم لأجد منه الكثير مما أعرفه تارة وأعرض عنه تارة أخرى وتلك جبلة البشر في تلمُّس الحكمة ضالة كل مؤمن.

أبا عبد المحسن:

والآن وعلى ضوء رسالتك الكريمة، واستئناساً بالجانب الآخر من كتابك المنشور، لنا أن نجدف قليلاً في بحيرات الفكر العذبة كونك أكثر مني مهارة في السباحة فالبحر لجي، والموج كالجبال، ولعلي أتعلم منك مهارات الغوص، بعد تلك الرسالة العاطفية التي أشعلتها ذكرياتك وأحساسيسك، ذكريات المؤرخ وأحاسيس المحلل، فجاءت بك إنسان عين زمانك في اختصار تلك الفترة الزمنية وتقديمها للقارئ في تجربة موسوعية نادراً ما تتكرر، لقد هممت أن أقول شيئاً فترددت كثيراً، وكلما هممت أن أقوله، كلما أوقفتني نفسي قائلة: على رسلك يا هذا فلم يترك المداحون - قاتلهم الله - عنده فسحة من القول تستطيع أن تقول فيها حقاً إلا ظُنّ أنك إنما جئت ببضاعتهم المزجاة، دالفاً من بوابتهم المشبوهة ثم ما ألبث أن أناجي نفسي وضميري: ألا يشفع لي كوني صريحاً مع الجميع وبخاصة مع شيخي نفسه في رسالتي السابقة التي اتسع لها صدره رغم قسوتها، أفلا ينبغي لي أن أقول شيئاً وأنا أرى خصومه من حولي يقرون له بذلك قبل محبيه؟ هيهات لا بد مما ليس منه بد، لا بد أن أقول شيئاً! قد أكون مادحاً أو أصنف مع المداحين، وما أثقل الحالين على نفسي! لا بل هي شهادة وسأجاهد نفسي لأقنعها أن من يكتم الشهادة فإنه آثم قلبه، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، ولقد شهدت عليه سابقاً بما كنت أعلم وتحمله مني، أفلا أشهد له لاحقاً بما علم أيضاً فأكون أقرب إلى الموضوعية والعدل؟؟ كلا لست من المداحين، لا!!! وليس المديح بضاعتي ولله الحمد، لكن كيف أنصف شيخي وهو المشهور بشهادة من ستكتب شهادتهم ويسألون بنصرة الضعفاء وقضاء المحتاجين من أولئك الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً؟ ولئن بخلت عليه بشهادتي له فلن يضيره هذا فهناك الصادقون غيري يقولون ما يسر صديقه ويغيظ عدوه، ولقد سرني ما كنت أسمع عنه، فكم من ضعيف يدعو له ومن محتاج يشكر الله ثم يشكره، حتى أولئك الذين لهم وجهات نظر أخرى ويأخذون عليه ملاينة القوميين واليساريين وتيسير السبل لهم عبر المنابر الرسمية والثقافية طيلة تاريخه الثقافي والوظيفي ودوره في ترشيح بعض المسؤولين بحكم موضعه وقربه من دوائر اتخاذ القرار.. حتى أولئك يصفونه بالأسطورة ذكاءً ووعياً وثقافة وأدباً وحنكة ودهاء.

شيخي العزيز:

جاء في رسالتك الكريمة: (إن الأيام معك تجادلك وتجادلها على مفاهيم هي ما تكدر مزاجك النفسي تقف منها متسائلاً..) فأقول يا شيخي الفاضل: لقد وقف علماء الفلسفة والمفكرون قبلنا وسيقفون بعدنا وقفات مهمة متسائلين عند معالم معرفية متعددة في عوالمنا اللامتناهية، محاولين سبر غورها ومعرفة كنهها في حدود ذلك العلم القليل الذي آتاه الله بني آدم، وهذا ديدن أصحاب العقول الذي أحسن وصفهم شاعرنا حين قال:

ذو العقل يشقى بالنعيم بعقله

وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم

نعم إن الذي أوقفك وأوقف معلمك مجاور المقابر.. ومن قبله شيخ المعرة.. إنما هو الذي لا يزال يحير ذوي الألباب في مجتمعنا الذين شاء الله أن يجدوا أنفسهم في تيه بين مطرقة التقليد المشيخي الداعي إلى تجميد العقول في فهم النقول على مر القرون، وسندان الليبرالية الشاردة من النقل إلى العقل المجرد، نعم وبكل صراحة! لقد حيرك أيها الشيخ الجليل ذلك الغموض المميت الذي حير كل ذي لب عبر تاريخنا المجيد، هذه أمتنا خير أمة أُخرجت للناس، أمة العلم، أمة البحث العلمي، أمة التقدم والحضارة، أمة المرونة والتعايش، تملك من مقومات البقاء والوحدة والقيادة روحياً ومادياً وبشرياً ما لا تحلم به الأمم الأخرى، ومع هذا فالحال كما ترى، أين عقلاء الأمة؟ أين مفكروها؟

الجواب واضح!!! غموض غريب، ما أقسى المجتمع على كل مفكر وناصح وغيور من أبنائه، أهكذا تقتل المواهب وتحرق الكفاءات ويكرّس التخلف، فكم من عبقري أتى بما لم يأت به الأوائل، فلما لم يفهمه قومه الذين وجدوا آباءهم على أمة قالوا عنه زنديق فنبذوه أو طردوه أو قتلوه؟!!! وها هي شواهد التاريخ عن هذا (الزنديق) أو ذاك الذي أراد (إفساد) الأمة وتخريب الملة بطرحه الجديد أو عن هذا (الوالي) أو ذاك الذي (حفظ) الله به السنة و(دمغ) به البدعة، فكان جزاؤه أن ضربت عنقه أو وضع في تنور أو طوب أو قتل صبراً أو حُكم عليه بقطع الأيدي والأرجل من خلاف أو ينفى من الأرض، يحدث هذا حينما يختزلون السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية في عبارات مزاجية واحدة (يا غلام اضرب عنقه) بحق أو بغير حق، فأي وصمة عار في تاريخنا بعد هذا الارتجال القاسي...!! والآن، هل لي أن أتساءل: ألا يُوجد في واقعنا اليوم شواهد حية من هذا القبيل بشكل أو بآخر..!!! آه يا شيخي الكريم، ليت شعري كيف سيكون الموقف عندما تلتقي الخصوم عند من لا تخفى عليه غائبة في الأرض ولا في السماء وعندها من سيكون الظالم من المظلوم وعند الله تجتمع الخصوم {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}.

شيخي الكريم:

تلك المعركة الأزلية، بين المفكرين والمحافظين، لا تكاد تخلو أمة عبر التاريخ من وجود تيارين متناحرين: تيار وجل تكمن مصالحه في إبقاء كل ما كان على ما كان، وآخر طموح يريد تطوير الحياة ورقيها عن طريق التجديد المتواصل بحثاً عن حياة أفضل مع التمسك بالثوابت، عبر وسائل قد لا تنسجم مع مصالح الطرف الأول، فينشأ الصراع ويتبعه التجريم والتخوين والتصفيات، وما محاكمة سقراط وتصفيته بالسم، وإجبار جاليلو جاللو على التعهد بالتوبة من التفكير في ملكوت السموات والأرض إلا خير شاهد على قدم المعركة وحتميتها بين النور والظلام، ويكفينا أن الله أنزل إلينا نوراً مبيناً، ولم يكن مجتمعنا الإسلامي في معزل عن هذا الصراع، فالمنازلات الكلامية التي كانت تدور رحاها بين العلماء وأهل الحديث من جهة، وبين أهل الكلام وفلاسفة العصر من جهة أخرى ابتداءً من القرن الثاني الهجري تمخض عنها صراع فكري مأساوي، تقوقع بعده أهل الحديث على أنفسهم متترسين بحجة هجر أهل البدع فانطلق أهل الكلام دونهم معتمدين على الفلسفة اليونانية، مبتعدين رويداً رويداً عن النص الشرعي وضوابطه حتى ضاع فكرياً بين جمود طرف وعقلانية آخر، ولقد دفع المفكرون والفلاسفة ثمن مواقفهم الجريئة، فمنهم من حُبس، ومنهم من جُلد، ومنهم من أُحرقت كتبه، وهكذا إلى يومنا هذا.. ومنهم من قضى نحبه.. ومنهم من ينتظر.

ونظراً لقرب التقليديين من بلاد السلطان، فكثيراً ما يصفُّون حساباتهم مع خصومهم بسوطه ويقتلونهم بسيفه، فكم من حكم صدر، ليس في حق أهل الكلام الذين لا يخلون من مؤاخذات منهجية فحسب، بل حتى في حق علماء أجلاء لا يشك في علمهم ولا في فكرهم ولا عقيدتهم، ويكفي أن عالماً جليلاً كابن تيمية حينما فتح الله عليه فجمع بين العقل والنقل، يتصدى له علماء عصره كتقي الدين السبكي، فيرمونه عن قوس واحدة ليسجن مرتين بتوصية منهم ويموت بعد ذلك في سجنه ضريبة تفكيره السليم، وعالِم آخر كابن رشد ملأ الأرض فقهاً وفكراً وفلسفة يُطارد ويُضيَّق عليه وتُحرق كتبه، وماذا فُعل بابن المقفع وابن مقلة الخطاط الذي قُطعت يداه ورجلاه وسُملت عيناه وقُتل شر قتلة كل ذلك كان يُفعل تقرُّباً إلى الله!!!! والله وحده هو الذي يعلم أي الفريقين خيرٌ مقاماً وأحسن ندياً.

ما أقبح الجهل وما أقسى المجتمع الجاهل على أبنائه! ورحم الله الملك عبدالعزيز الذي لم يكن يسمح بتصفية الحسابات الفكرية والمذهبية في مملكته باسم الدين، وإلا فما أسهل أن ترى معلمك الأول وغيره من المفكرين على أعواد المشانق، إن لم يسجنوا أو ينفوا من الأرض باسم الدين وبسيف السلطان.

مرة أخرى أقف عند رسالة شيخي فأجد نفسي متفقاً معه في موقفه من أولئك القاعدين على الطرقات من كسالى الذهن الذين يرمون المارة، كلما رأوا مبصراً يتلمس الطريق له ولهم حصبوه ليفقأوا عيناً أبصر بها طريقه فسعى في مناكب الأرض ليأكل من رزقها، لكن أيضاً: ألا يتفق معي أستاذي أن أكثرهم قد لا يدري على أي طريق وقف ولا لماذا يرمي ولا من يرمي ولا بماذا يرمي؟!! لكنهم وجدوا آباءهم على أمة فهم على آثارهم مقتدون، سامحهم الله، ثم بعد هذا ألا يتفق معي شيخي أيضاً بأنهم متعددون بل ومتواجدون في أكثر من مكان!؟ قد يقفون في الطرقات كما ذكرت، وقد يرابطون في المحاكم، وقد يتسللون إلى دهاليز السلطة، ومهما اختلفوا فكلهم يرمون بأحجار متعددة ومتنوعة ومؤلمة جداً، لكن يبقى أشدها إيلاماً ما كان يتم منها مع كل أسف على حسب الطريقة الإسلامية!!! زعموا.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: أليست مدرسة ولَّدت هذه الأفكار، ثم قولبتها في عقول ضحاياها كاللّبن أولى باللوم من ضحاياها الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؟ من الذي شجع نزعة التفكير والتفسيق والتبديع في مجتمعنا؟ من الذي ابتدع قاعدة هجر المبتدع مطلقاً؟ ألم يقل أحدهم: (آكل مع يهودي أو نصراني، ولا آكل مع مبتدع) خلافاً للنصوص الآمرة بالتبليغ والمجادلة والمناظرة والإنكار والأمر بالمعروف، علماً بأن الله أرسل خير البشرية لمن هم على الشرك الأكبر وقال له: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ} ومن الذي ابتذل قاعدة سد الذرائع التي امتهنها بعض السلطويين من خلال سلسلة من اللوازم ولوازم اللوازم حتى حرموا زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟ وبعد هذا أفلا نقف جميعاً محتارين مع أُولي الألباب الذين يريدون الخير لهذا المجتمع، ويبحثون عن طريق الخلاص من هذه المآسي، وليت المصلحين يواصلون طريقهم ما داموا يؤمنون بالله رباً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً وبالإسلام ديناً فلا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، ولعلهم من الغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس، حتى لو كان كالشعرة البيضاء في الثور الأسود.

أبا عبد المحسن

ما أروع انتصاراتك على تلك (الخاطرة البائسة من هذا العصر الخائفة منه ومن أهله) تلك الخاطرة التي اتخذت مسجداً ضراراً تريد عبثاً رهبنتك فيه، لتقصرك على الوعظ والإرشاد في معناه الضيق، وإذا بك معتصماً في مساجد الله التي أسس بنيانها على تقوى من الله ورضوان، إلى مساجد الله التي لا رهبانية فيها وإنما هي نقطة الانطلاق الأولى لحمل هذه الأمانة العظيمة في عصر - كما ذكر شيخي - تلاشت فيه الحدود الجغرافية والسياسية في ظل العولمة وقنوات الفضاء والإنترنت، من المسجد ننطلق كما انطلق قادتنا من قبل حاملين هذه الحضارة التي زلزلت عروش فارس والروم تلك الرسالة الخالدة التي اتفق شيخي أن من قصرها على المحراب فقط أو في حدود الوعظ والإرشاد بمعناه العرفي الضيق فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله.

شيخي الكريم:

أتأذن لي في استراحة قصيرة عند عبارتك التي تقول فيها: سامح الله كل من ظن بك الظنون وعفا عنه وأعانك على احتماله، أراك يا شيخي تشتكي من أهل الظنون والقيل والقال، فما أصبرك على حيفهم، فهم ضرب من الابتلاء لتمحيص المنهج وإعادة النظر فيه، ولعلك تجد عزاء فيمن ناله البلاء وليس الابتلاء وأصبح يقف حائراً كلما مرَّ على قول الله تعالى {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ}، فوجد أنه معني بها مع كل أسف، لمجرد أنه يحمل وجهة نظر مغايرة، ما رأي شيخي فيمن وجد نفسه مع العرنيين الذين نزلت فيهم هذه الآية أو الحلوليين أمثال الحلاج وغيره!! لا رغبة منه ولا لجريرة ارتكبها، لكن هكذا أريد له!!

بنفسي وأهلي من إذا أعرضوا له

ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب

فلم يعتذر عذر البريء ولم تزل

به سكتة حتى يقال مريب

وختاماً:

تسألني يا شيخي قائلاً: (ولا أدري هل توافقني أنه ليس في إمكان إنسان أن يستقبل موعظة الوعظ وهو مغلق النوافذ الذاتية، بليدة أحاسيسه وناعسة مشاعره وغافٍ وجدانه وضميره)، فأقول يا ابن عبد المحسن يغفر الله لك وهو أرحم الراحمين أأنت مغلق النوافذ الذاتية؟ أأنت بليدة أحاسيسك؟ سبحان الله!! لقد حركت مشاعري ومشاعر العشرات ممن قرؤوا كتابك فشاركوني الرأي، كل هذا شيخنا الفاضل، ثم تقول عن نفسك متواضعاً ما قلت!! ثم أني، أيها الراجي عفو مولاه، لم أعظك بقدر ما اتعظت أنا وغيري بما جادت به قريحتك الصادقة في كتابك الذي ناجيت به نفسك محاسباً لها، ولما وجدت نفسي إثر ذلك ما وجدت، أحببت أن أسمعك رجع الصدى لعباراتك الصادقة المؤثرة في نفس كل من يحسن الظن بربه ثم بمثلك، يشجعني على ذلك رفع الكلفة بيننا أولاً، ومكانتك الخاصة عندي وعند أقاربي ثانياً، فقد وجدت فيك بعد والدي - رحمه الله - شيبة مسلم أتقرب إلى الله في إجلالها، هكذا تربينا وتعلمنا من ديننا العظيم الذي هو محل فخرنا واعتزازنا في منشطنا ومكرهنا والذي سيغلب كل من شادّه. مرة أخرى شيخي الكريم أنى لمثلي أن يعظ مثلك بعد ما وعظتك الحياة بمواعظها، وهذبتك التجارب بتراكمها، وجاءك من مواعظ الحدثان ما لم يأت على أحد من العالمين، يؤكد ذلك، تلك التجارب والأحاسيس التي تحركت في قلبٍ راج غير آيس وسطرتها بصدق في كتابك، متضرعاً بها إلى خالقك فاراً من ذنوبك إلى رحمته {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً}.. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

محبك - محسن العواجي

***

التاريخ: 21 -8-1421هـ

17-11-2000م

أخي العزيز الدكتور محسن العواجي .. سلمه الله،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أخي:

هو يومك، هي رسالتك الكريمة، هي أحاسيسك ومشاعرك، هي أعماقك الخيرة أقرؤك فيها إنساناً هذبته المعرفة، ألي أن أتساءل وأقول - أخي محسن -: ألبستني رسالتك لباساً فضفاضاً علّي ألملم أطرافه حتى لا أُصاب بالخيلاء وأكون مُسبل الثياب.. لقد أخذتني بعيداً بعيداً جداً فرفقاً بي.. لا تذهب بي إلى متاهات من فكرك الشاب، أقدام الشيخوخة عندي تُناديك رفقاً بالشيخ - أيها الأخ - فالشباب الذي ولى والشيخوخة التي هي أنا هي اليوم مقعدة على حصير من سعف النخيل.. فوادي قريتي ونخلاته والحمام الذي كان يسجع لنا أيام الشباب ويغرينا أن نَطْرَبَ له لم يبق معي - أخي محسن - من ذكرياته ومن أيامه ومن دفقات قلبٍ خفق بالحب حتى ألبسني العمامة غير ذكرى بعيدة شاركني فيها ذلك الشاب الذي ذكراه لا تفارقني أبداً.. هو من كان قلبه هو قلبي كنا شركاء الحب، شركاء الوجدان.. هو لبس العمامة ولم ينزعها عن رأسه إلى أن قابل ربه وغادر دنيانا الفانية.. أما أنا إذا كان لي أن أأسف على شيء اليوم وأتبين خسارتي أني نزعت العمامة ورحتُ وإلى أين؟ لا أدري، لكني أخاف أني صرتُ من بهيمة الأنعام.. مسكينٌ هو الإنسان ضعيف لخالقه لو تبينتُ الطريق الذي أحاول أن أمشي عليه اليوم.. أقول لو تبينته بالأمس لأبقيت عمامتي على رأسي إلى يومي هذا لتعصبه وتُلقي عليه وعظها مع كل همسة أو خطوة أو خفقة من خفقات النفس.

أمنياتٌ جاءت متأخرة من قلبٍ متعب يُسائل المارة ويُسائل خفقات النجوم ويجادل أحداثاً ومتغيرات أين المكان الآمن من فتن الحياة اليوم؟ لا أدري، لكني وقد طويت كل الأماني والأحلام وتجاوزت عتبة الطريق الذي بيني وبين أيام تلك العمامة التي عصبت رأسي فترة قصيرة فلم تحتملها أماني الشباب وأحلامه فاختارت السير وراء أوهام المجد الكاذب، وهذا ما أعاوده اليوم لعلي أرى ربحي وخسارتي منه.. فالحياة - يا أستاذ - وإن كانت جميلة ونضرة مشكلة الإنسان معها أظن أن لا مدخل له إلى هذه النضارة وهذا الجمال إلا من باب غار حراء.. فهو الأمان ومنه يأمن الماشي عليه إلى ما وراء المحسوس.

وماذا بعد عزيزي محسن:

تقول لي - أيها الأخ - لنواصل الطريق إلى البعيد وأقول لك: ما أسمى نفسك إنها نفسٌ تواقة فهنيئاً لك بهذه النفس.. أما أنا فقد أقعدني زماني وقال لي: عوّض بأيامك الباقية لك ما فاتك، كن مع الذكريات مع محاسبتها تفرغ لها وعاتب من تعاتب منها وابك على أوراقك.. وها أنذا اليوم أبكي بلا دموع لأن كل شيء ذبل وجف.. لم يعد معي - أيها الأخ - مياه عذبة يمكن لنا أن نسبح فيها.

أخي محسن:

قال لي أبو الطيب في يوم كنتُ فيه متألماً:

هون على بصرٍ ما شق منظره

فإن ما يقظات العين كالحلم

نعم، إني أراك متألماً على أمتك، على حضارتك، على تاريخك، هذه هي سنة الحياة مع كل حضارة تَبسُمُ فترة زمنية ويعلو بنيانها ثم تذوي وتتهدم وتصير إلى أطلال.. هي ما نشاهده اليوم في خرائب قرطبة والحمراء التي لا يساكنها اليوم غير الغجريات البائسات من ليس لهن هوية.

تحكي لي - أيها الأخ العزيز - عن أشياء وأشياء من سقراط إلى ابن المقفع، والشيخ الجليل ابن تيمية، وقد لامست بذلك قلباً موجعاً اتسعت عليه شقة الخلاف الذاتي فأدلجت به على قتبٍ لم يسترح راكبه.. لا أقول ذلك متذمراً مصاباً بالهلع، فقد علمتني الحياة وعلمني الناس أن طول السفر وراء أحلام اليقظة شيء مرهق.. لكن متى يكتشف الإنسان ذلك؟

كان هذا وكان الشيخ يقف وحيداً يتلفت يمنة ويُسرى يسائل المارة: لماذا أنا وحدي عائد إلى الوراء من رحلة مضنية؟ نعم، لماذا أنا وحدي؟ أين عالمي؟ أصار كل شيء إلى ذكريات وإلى دوارس؟ وفيما أنا فيه بين السؤال والجواب إذا بشاب من أبناء هذا العصر يعترضني على الطريق اسمه (محسن)، تفاءلت بالاسم وقدرت أني أمر بتجربة جديدة مع ابن من أبناء عصر رحل فيه الإنسان إلى الفضاء.. هذا الشاب قدم لي نفسه وشيئاً من ثقافة عصره ونقاء ثيابه من الدنس.. رحت أُصعّد فيه بصري أقرأ فيه جيله متسائلاً مثيراً ساكناً عندي لم يجد من يُوقظه.

استأنستُ بهذا الشاب وهو من أقول له في هذه الرسالة قولاً كريماً: إني من بقايا عالم الجمل والخيمة والكوخ، أشعر أني غريب أعيش الغربة مشدوهاً.. أمشي في أسواق المدينة أو القرية أو حتى الصحراء، لعلي أجد من يقول لي شيئاً عن هذه المتغيرات، ومن مكنته معارفه فليقل وباعتدال وفهم رفيع لما عليه العصر من تداخلات وكل قول - يا أخ محسن - لا يجادل هذا العصر بعظمة التشريع الإنساني في القرآن الكريم والسنّة مضراً بسبيل الدعوة التي مسؤولية الإنسان المسلم منها مسؤولية هو في حاجة إلى أن يعرفها حق المعرفة وأن يتحمل الأذى في سبيلها.. فالوحشة من الطرف الآخر والإحجام عن تبليغه برفق لا حكم لي عليه فالله وحده يحاسبه.

أخي:

ما أكثر ما وقفت مع نفسي، مع إنسانيتي أُسائلها: أقطعتُ الدربَ على مهل وتبصرتُ طريقي خوفاً من العثرات أم أني والطريق الطويل وبهيمة الأنعام على ميعاد..؟! لقد تكاثرت عليَّ كثيراً من الملامات من داخل نفسي تؤنبني وتقول لي: ما أعظم دور الإنسان مع رحلته على هذا الكوكب.. فرسالته هي الكدح فهل كدحت في عوالم الله، في أسراره، في جلال قدره، أم أنك وبهيمة الأنعام التي تذرع الأرض بأخفافها تبحث عن ما يملأ بطنها والبطنة في كل شيء تشير إلى البله!

هكذا، يا دكتور، نحن والملامات التي يقابلنا بها العصر وجهاً لوجه أينما اتجهت بنا الحياة وهي ملامات تثير في الإحساس الداخلي أننا اليوم في غربة عن كثيرٍ من أسرار الله التي أذن الله بها في هذا العصر للإنسان.

صحيح أنها من ظواهر الحياة، لكنها ظواهر بالنسبة لنا، نحن المسلمين، ظواهر تعظنا وربما تعاتبنا، ولا أدري ما نصيبنا من هذا العتاب.. فالذين اكتشفوا هذه الظواهر ولم يكتشفوا شيئاً من داخل نفوسهم ليهديهم إلى الله هم من قال عنهم القرآن الكريم: { يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}.

أخي:

إني بهذا التّداعي ألتمس فيما بقي لي من الحياة في طريقي إلى الأجل المحتوم البلادة عندي ملامسةً موجعةً مثيرةً لراقدٍ طال فخيخه. ألي أن أسألك: ماذا أعطت جامعاتنا من المحيط إلى الخليج؟ فنحن جيل ما قبل الجامعات بسطاء، لا نقرأ، كتاتيبنا هي الأخرى بسيطة.. أفكارنا لا يشم منها جليسنا غير روائح الخزامى ونفل الروض ورائحة شجر العرار الذي قال عنه الشاعر القديم للبسيط:

تمتع من شميم عرار نجد

فما بعد العشية من عرار

أتُرى هذا الشاعر شم روائح العصر وقال للبساطة والبسطاء: ودعوا روائح الصحراء الجميلة قبل الفُراق؟!.

أظنني، يا دكتور، فيما كتبته لك وأكتبه الآن في هذه الرسالة قد استجبت لزمانك وعصرك فيما قد كتبه في أوراقك من تجربتك الخاصة وهي تجربة مع العصر ومع الناس ومع الشيء ونقيضه.. قد يروق لك أن تُدخلَ مع هذه التجربة في يوم من الأيام شيئاً من تجربتنا نحن جيل ما قبل الجامعات وتقول لقارئك: هذا شيء من حياة أهلنا وآبائنا وأسلافنا، قد تقول لهم: قابلت على الطريق شيخاً يتكئ على عصاه أردت أن أدخله ضمن تجربتي ففتحت الطريق له وناديت عليه أن قل لي كيف كنتم تفكرون وكيف كنتم تعيشون، أنتم الآباء والأجداد؟ وقل كيف لحق بكم العصر فهل أنتم معه على وفاق، لا أدري، ما الوفاق؟ وما الذي يجري؟ لكن أمر الخلق إلى الله فهو الخالق وهو الرازق وهو المحاسب الإياب إليه، جل وعلا.

هذيانٌ آتٍ من أنين الشيخ وجد له مع ورقه إليك شيئاً من الاستراحة أي استراحة قلب وهو سوءان كما قال أبو الطيب.

وختاماً تقبل تحياتي ومني السلام إليك وعليك رحمة الله.

أخوك

عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري

 

 

 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8