كلمة حق عند عقول جائرة

تقييم القراء: / 1
ضعيفجيد 

هكذا الأمم التائهة التي لا تعتمد في بناء فكرها على أساس واضح أو تتجاهل اساس منهجها الواضح،أولا يتاح لها فرصة ترتيب أوراقها وتحديد مواقفها في أجواء آمنة، أولا تأخذ من أمنها لخوفها ومن قوتها لضعفها فتضيع وقتها أيام رخائها لتجد نفسها متخبطة في الأزمات يلتفت الجميع هنا هناك وكل يريد السلامه التي لم يرعها حق رعايتها أيام السعة والدعة، وهكذا ترى حال امتنا رغم انها امة القران -مع كل اسف- فتجد مواقفها في الأزمات متأزمة أيضا، يتحمل حكامها قسطا كبيرا من المسئولية ويبقى قسط ليس قليلا على أفرادها وجماعاتها، وكنتيجة لهذا التيه تجد الأمة أثنا الأزمة تكاد تنحصر مواقف ابنائها بين التاييد الأعمى للقوي المتمكن إيثارا للسلامة الظاهرية أو الاندفاع الى أقصى نقطة مباعدة عن الواقع هروبا منه وتجاهلا لما يحدث وحبا فى الانتقام، ولم تهتد أنه كان بين ذلك قواما حيث أنها أمة الوسط، وبين هذين الموقفين المتطرفين يصعب قول الحق القوام الوسطي دونما اتهام من هذا الطرف أو ذاك، وبهذا يقل العدل ويسود العقل الجمعي الجائر على أفكار الناس، بيد أن العاقل الشجاع عليه أن يقوم بأمانة قول الحق لا يخشى في الله لومة لائم فمن دعا الى حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها دون ذلك أن ينقص من أجورهم شيئا ( وطوبى للغرباء الذين يصلحون ماأفسد الناس).

أحداث الحادي عشر من سبتمبر كما فرضت نفسها على العالم فإنها ايضا فرضت على الجميع تحديد المواقف( ليميز الله الخبيث من الطيب) ولذا تمحصت الصفوف وتمايز الناس خاصة على الصعيدين الدولي والإقليمي، والمسلم حاكما كان أو محكوما لم يكن أمامه خيار سوى موالاة المسلمين ومعاداة الكافرين ونصرة إخواننا في افغانستان ظالمين كانوا أو مظلومين، كل بقدر استطاعته وظروفه، ونحن كلنا مسئولون عن هذا الموقف عند ربنا وخشية الله تعالى مقدمة على كل توجس أو تخوف أو توهم، (ولينصرن الله من ينصره إن الله قوي عزيز).

أما على الصعيد الداخلي لبلاد المسلمين، عامة وبلادنا خاصة حرسها الله من كل مكروه فمع التأكيد على الحق الشرعي والمشروع في مناصرة إخواننا بكل ما نستطيع، إلا أن هناك موقف لا يقل أهمة عن الموقف السابق إلم يكن أولى منه ألا وهو وجوب وقوف الجميع صفا واحدا للحيلولة دون وقوع مجتمعنا الإسلامي ضحية لتداعيات تلك الأحداث التي لم نأمر بها ، خاصة تلك التداعيات التي قد تطال امن المسلمين وترويع الآمنين في بيوتهم وأعمالهم وقد تصل الى إزهاق الأرواح وسفك الدماء المعصومة لا سمح الله، نعم لقد آن الأوان لكي يعلن الجميع و بصوت مرتفع موقفهم الموحد والمبني على قواعد الشريعة المطهرة بأنه لا مكان لأي عابث بأمننا بين ظهرانينا تحت أي مبرر مهما كان عرقه أو لونه او معتقده او مذهبه أو طائفته وأن الجميع جنود مجندة للحيلولة دون عبث العابثين بأمننا حيث كنا ولا نزال أول من يعترض على مجرد التفكير باسلوب العنف للتعبير عن الموقف الرافض، فضلا عن تحويله الى مشروع عملي واستهداف الأبرياء دونما حق، فلينته المزايدون علينا في ديننا وثوابتنا فالحق أبلج والباطل لجلج وليتق الله من يدفعون بعض الأحداث والبسطاء نحو تبني قناعات يجمع العقلاء أنه لا مكان لها في عقول الأسوياء منا مهما بدا الموقف الرسمي من الأحداث غير مريح للبعض، علما بأنه كانت هناك مواقف رسمية معبرة عما في نفوس الكثير، كموقف الدولة المعلن بعدم السماح لاأي ضربة عسكرية انطلاقا من اراضيها، علاوة على استهداف الدولة نفسها من قبل الاعلام الغربي خاصة الإعلام الأمريكي بسبب مواقفها المتأنية أمام الاندفاع أو قل التخبط الأمريكي، الأمر الذي يحتم على كل غيور على دينه وبلده أن يلتف حول المخلصين من قيادتنا للتعاون على حماية هذه الدولة المباركة التي يتفيؤ ظلالها الحاكم والمحكوم على حد سواء، وليس من حق أي فرد أو تنظيم من خارج مجتمعنا أن يدغدغ مشاعر بعض المتحمسين ليوقعهم في مثل ما كنا ولا نزال ندفع ثمن إقدام بعض المتحمسين لفعله سابقا مما جر على الدولة والدعوة والمجتمع مالا يخفى على ذي لب.

أما هناك وفي افغانستان المظلومة وأمام الهجمة الأمريكية الهمجية فالأمر مختلف حيث هناك المرابطون والمجتهدون والمجاهدون والشهداء بإذن الله فإننا والله ندعوا الله أن ينصرهم على عدونا و عدوهم الصليبي المعتدي ولهم أن يتعقبوه كما تعقبهم ولكن ليس في بلاد المسلمين ومجتمعاتهم الآمنة المطمئنة ، بل عليهم أن يجعلوا من بلاد المسلمين عمقا استراتيجيا آمنا ومصدرا للدعم ومأوى يتحيزون إليه في كرهم وفرهم . وهذا موقف شرعي لابد من تبيانه وإعلانه ولا بد من كل داعية وطالب علم أن يدلي بدلوه فيه مؤكدا أن ذلك ليس من اجل رغبة حاكم أو وزير أو رئيس وإنما هو أمر يمليه علينا ديننا الذي أمرنا بحفظ الحقوق وصون الحرمات.

كل متابع يدرك أنه قد صدرت تصريحات رسمية وقيلت كلمات متفرقة من بعض المشايخ وطلبة العلم وتصريحات المسئولين في هذا الخصوص غير خافية ولكنهاقد تكون غير كافية خاصة لدى قلة من الشباب الذين لا يقدرون عواقب الأمور ممن قد يدفعهم تهورهم أو تهور غيرهم الى جلب الأذى على انفسهم وأسرهم ومجتمعهم وعادة ما يسمع هؤلاء من أناس معينين يتقبلون منهم مالا يتقبلونه من المصادر الرسمية، ولهذا فلا بد أن يتزامن الصوت الرسمي الأساسي مع الصوت الشعبي المساند في مثل هذه الظروف الحساسة، وعلى العلماء وطلبة العلم والدعاة مسئولية خاصة، ولا بد ان يكون هناك موقف شجاع يفهم من خلاله جميع أطراف النزاع أن بلادنا لن تكون-بإذن الله- ميدانا لانتقام كل طرف من الآخر وذلك بفضل الله أولا ثم بتعاون الجميع على حد سواء عى حمايتها من عدوى الفتن.

من جهة أخرى يتناقل الناس اليوم تفاوت انطباعات المتابعين للتصريحات الأخيرة لوزير الداخلية عندما أكد على رجال الأمن أن يكونوا في غاية اليقظة لحماية امننا، لاحظ البعض (قوة النبرة وقسوة العبارة) مما جعلني أرجع اليها لقراءتها مباشرة و بتجرد بقدر الإمكان ،ولقد استغربت هيمنة النظرة السلبية لدى الذين فهموهما خلاف مقصودها !!! هنا لابد من الانصاف، فلعله غاب عن البعض أن موقف الوزير المطلع على أكبر قدر من المعلومات السرية والعلنية حول أمننا يختلف عن موقف متابع للأخبار أو الأحداث من وسائل الإعلام ونحوها، ولو أنهم قرأوا تلك التصريحات مستخضرين في أذهانهم الموقع الذي تحدث منه الأمير لتفهمواسبب ورود بعض الكلمات القاسية كما يبدو لهم بطريقة أكثر إنصافا ، هذا وفي الواقع لاأدري ما الذي يضير القوم أن تكون كلمته في هذا الظرف أشد مما كانت عليه، إذا كانت في نهاية المطاف ستحول دون عمل تخريبي أو ستؤدي الى سلامة بريء أو حماية منشأة من متربص قد تسول له نفسه عملا يحسب من خلاله انه يدافع عن كابول أو غزة؟ و إذا كان الانصاف مطلوبا في الأوقات العادية فهو في مثل هذه الظروف أوجب بل والعفو أولى من الطرفين ومن القوي أسمى،ونحن نأمل ان تمتد يد المسامحة والعفوالرسمي في هذه الظروف لتطال أناس لا يزالون ينتظرون تهيئة أسباب لم شملهم بأهلهم وذويهم بعد طول انقطاع،ولا ينبغى أن يدفعنا عدم الرضا عن بعض الإجراءآت الرسمية التى لا توافق تطلعات الأمة كمنع بعض الخطباء أو منع القنوت في النوازل دون إذن رسمي، لا ينبغي أن يدفعنا هذا إلى تجاهل الأولوية الأمنية و الحفاظ على الوحدة الوطنية والتفاف المجتمع حول قيادته والعدل في قول الحق الذي يجلب الخير ويدفع الشر عن كافة المجتمع، كما لا ينبغى التردد في تأييد كل من يقف موقفا يخدم مصالحنا الدنوية والأخروية حاكما كان أم محكوما، يكفينا ركضا وراء سراب العاطفة وحدها ولنتخلص من وسواس عقدة المؤامرة ومن سوء الظن بالحكام مطلقا خصوصا في مثل هذا الظرف. وبالرغم مما يتداوله البعض خول تصريح الوزير الأخير فإن نبرة ذلكم التصريح هي –من وجهة نظري- أقل ما يتوقع أن يقوله رجل مسئول عن أمن أكثر من عشرين مليون إنسان بشكل مباشر، فالمسألة ليست مزحا ولا مداعبة، بل هو الجد كل الجد ، وليس أمام ا لمسئول في مثل هذه التطورات المفاجئة إلا التحري الأمني واستنفار رجاله باقصى درجة ممكنة. لا سيما ونحن نسمع عن بعض الأصوات التى لا تخفي تربصها بمجتمعنارغم قلتها ، و لا يخفى قلق المتابعين الغيورين واستنكارهم لبعض النداءات التي تستهدف بلدنا، والتي يرفضونها سرا وعلانية دون أدنى تردد ولو نطقوا لوصفوها بقسوة، فكيف بمن مثل موقع الوزير في مسئوليته يسمع من مصادره ما لانسمع ويتابع مالانتابع، وما تلك التصريحات الواضحة وما تخللها من عبارات حازمة الا انعكاسا حقيقيا لحجم الهم الأمني الذي أصبح هاجسا وطنيا وأولى الناس بالحديث عنه هو الوزير نفسه.. الذي يشكر له عندما وقف ضد محاولة استغلال الأمريكان للحدث ليتسللوا الى أجهزتنا الأمنة بالطريقة التي يريدونها، كما يشكر على موقفه الحازم بعدم تمكينهم من كشف حسابات جمعياتنا الخيرية التي كانوا يتعطشون إليها، ولذا فالرجل من موقع المسئولية لا بد له ان يعلن موقفا بين الحين والآخر وقد يتطلب الأمر أن يكون حازما في االأسلوب واللغة كما حدث في تصريحه الأخير، ولسنا في وقت تذوق كلمات البلاغة وانتقاء العبارة وتجريب المحسنات البديعية بقدر ما نحن أمام تحد أمني نريد سلامة المجتمع وردع كل متربص ودفع كل فتنة قبل وقوعها، ولقد قام الوزير بهذا الدور متحدثا عن هم وطني يشعر به الجميع .

طبعا هنا ترد الاشكالية التي لا مفر منها ، والتي أجزم أنه لا تخلو نفس قاريء منها هذه اللحظة- والله اعلم- حيث لا يستسيغ المجتمع الذي بنيت قناعات أكثر أفراده على التوجس والريبة واتهام السلطة مطلقا، لا يستسيغون قول الحق وإنصاف مسئول كبير كهذا،حتى لو انه انتقد في عشرات المواضع الأخرى سرا وعلانية، ولذا فقول كلمة الحق عند مجتمع جائر أشد من قولها عند سلطان جائر،وأنا هنا لست ابرر أو افسر ما قاله الوزير لكني تحدثت عن تصريحه وفق فهمي له منطلقا من عدم مجاملته ولكن مع انصافه في هذا الموقف، ومرة أخرى فلم يغب عن بالي أن تبرير موقف اي مسئول –وإن كان محقا- موقف لا يخلوا من حرج إذ تعود الناس على اتهام كل من ينصف قويا خصوصا في زمن تسلط الأقوياء على الضعفاء حتى اصبح الناس في هذا الأمر صنفين :إما مطبلين أورافضين، والدين أمرنا بالعدل في القول والعمل وألا يجرمنا شنآن قوم على ألا نعدل، مع هذا كله فأنا على يقين أن كل شخص سوي يفكر يدرك أنه لو كان في موقع الوزير في مثل هذا الظرف لقال مثل ما قال أو أشد ، لكي يعلم كل عابث قبل وقوعه في الخطأ أنه سيواجه بكل حزم وقوة، أما الواثقون من أ نفسهم الصادقون الناصحون فكل تلك( التهديدات والوعيد الذي فهموه من كلمته) لا تخصهم بل هي لمصلحتهم ومصلحة مجتمعهم بأسره في نهاية المطاف.

وبناء على ما تقدم فإن قناعتي الخاصة أنه ليس من الوفاء لديننا أو بلدنا ان تقف على الحياد حول تنيبه الوزير في ذلكم اللقاء فضلا عن المبالغه في انتقاد حدته، بل الواجب على كل مخلص لدينه ثم لبلده أن يتعاون مع الجميع في نفس الاتجاه الذي طرحه لتحصين مجتمعنا ضد اي عدوى خارجية تستهدف زعزعته، فيساهم من جهته بالكلمة السرية والمعلنة في سبيل منع كل ما من شأنه المساس بأمن مجتمع المسلمين وليرتدع كل من يفكر في ارتكاب عمل تخريبي –لاسمح الله-متهاونا في عواقبه في الدنيا والآخرة. ومن جهة أخرى فإننا نرجوا أن تؤخذ توجيهات الوزير مأخذا منصفا بحيث لا يتأذى بريء من تلك الإجراءات، ولا تستغل لارتكاب تجاوزات في حق العباد ، فليتق الله كل من بيده سلطة ألا يروع آمنا ولا ينتهك حرمة، فالله سيحاسب الجميع على أعمالهم، كما أننا في نفس الوقت نأمل ألا يفلت متربص بمجتمعنا من اليقظة الأمنية الحازمة التى دعا إليها الوزير و التى هي في نهاية المطاف بصالح الجميع إذا ما روعي فيها خوف الله تعالى. و للوزير علينا بعد هذا الدعاء الصادق أن يجعله الله ورجاله مفاتيح للخير مغاليق للشر ولهم منا ايضا واجب لا منة فيه وهو أن نتعاون معهم على كل بر وتقوى.

لقد قلت رايي هذا من قبل وقاله غيري من الإخوة وفق مرئياتهم في بياناتهم التي نشروها ولكني لاازال ارى أمامي ثغرات فكرية قد تخدم تنامي بعض الأفكار المتطرفة مدفوعة الى ذلك بغلظة العدو في اعتدائه على إخواننا في افغانستان وفلسطين وكذلك غموض المواقف الاسلامية والعربية تجاهها إضافة الى الغياب النسبي للمرجعية الشرعية الرسمية التي بمقدورها الجمع بين استيعاب حماس ا لمتحمسين وتحديد الموقف المطلوب وفق مصالح الشريعة. أما مناقشة الأسباب التي أوصلتنا الى هذا التردي العام على مستوى الأمة الإسلامية كلها فهو أمر تجب مناقشته بكل وضوح ولكن ليس في وقت تحاصرنا الأخطار فيه من كل حدب وصوب........ وأرى أنه من المناسب أن نبين للناس ونحن في سعة من أمرنا مثل هذا الموقف وفي مثل هذا الظرف ليعلم رأينا في السراء والضراء وفق ما نعتقده دون ملامة قد تأتي بدرجة أكبر عندما يضطر المرء أن يقوله وبنرة أشد في ظرف حادث طاريء لا سمح الله.

والله من وراء القصد.





 

 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8