ميزان النصرة

تقييم القراء: / 0
ضعيفجيد 

الحمد لله الذي جعل شعار أوليائه في النصرة (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) بديلا عن شعار الجاهلية (وهل أنا إلا من غزية إن غوت **غويت وإن ترشد غزية أرشد) والصلاة والسلام على من ترجم هذه النظرية إلى واقع عملي عادل، فأصبح خير قدوة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فما غضب لنفسه قط، بينما تمعر وجهه وخطب وزمجر غيرة على دين الله وتبيانا للحق وحرصا على ميزان العدل الذي عليه قامت السموات والأرض، أدعو نفسي وإخواني إلى الاقتداء بسيرته العطرة خاصة وأننا قد ابتلينا اليوم ببعض الاجتهادات المتناقضة التي أربكت المتلقين الأسوياء الذين يجدون في كتاب الله وسنة رسوله ما يتعارض معها شكلا ومضمونا، جاءت هذه المتناقضات مع غياب شبه كامل لأصوات الحكمة التي ضاعت هي الأخرى في غموض المنهج وضبابية الرؤية وهيمنة الوهم الجماهيري عند البعض فنتج عنها ذوبان الشخصية الدعوية في بحر أوهام وتطلعات الغوغاء، لقد تجمدت الطاقات وقتلت المواهب وهمش ذوو الكفاءات من أجل إرضاء العامة الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا في العلم والإصلاح، إذا اتفقنا أن الخطأ وارد من غير المعصومين، فلنعلنها واضحة مدوية بأن رفض الحق من بعد ما بينه الله للناس في الكتاب ، يوجب لعنة الله ولعنة اللاعنين، ولنعامل الناس بالعدل مؤكدين بأن الصدع بالحق ليس واجبا فقط أمام سلطان جائر بل حتى أمام جمهور ثائر، وهناك الكثير من الحق الذي يجب قوله للناس بعيدا عن رهبة السلطان وسطوته، لكن تقديس الرمز يبلغ أحيانا حدا يفوق في بعض جوانبه الدور السلبي لأجهزة الإعلام المطبلة رسميا للأنظمة السياسية، لا أجد تبريرا منطقيا لتردد البعض في قول الحق أمام العامة لموانع غير مقبولة كالمجاملة أو الخوف على المكاسب أو اتقاء سهام السفهاء. إن وقوع الظلم يعني وجوب النصرة الشرعية التي لا تنحصر في جانب دون الآخر، ننصره برفع الظلم عنه إن كان مظلوما، و بردعه ونهيه عن الظلم إن كان ظالما وهذا نص التوجيه النبوي الصريح بالنصرة، وهو ميزان الحق الوحيد الذي من حمله وتحمل في سبيله الأذى وجب علينا نصرته ومؤازرته بالدفاع عنه، ومن خالفه وجب علينا نصرته بالمناصحة و رده إلى الحق كائناً من كان لا نخشى في الله لومة لائم، دون أن يدفعنا الإعجاب المفرط إلى المجاملة في الحق (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع يدها) كما لا يمنعنا موقفنا من الآخر ألا نعدل معه ( ولا يجرمنكم شنئان قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا) وبعد هذا إذا ذكر الغافل فلم يتذكر، ونبه الناسي فلم ينتبه، و أعتد كل ذي رأي برأيه ولم يراجعوا أنفسهم ويرجعوا للحق بعد ما تبين لهم، فهؤلاء مكابرون معاندون يجب الأخذ على يديهم وأطرهم على الحق أطرا فإن ذلك نصرة لهم.

مشروع الدعوة والإصلاح مشروع أمة وليس شأنا خاصا لآحاد البشر، تحكمه نصوص الشريعة لا الأهواء والذريعة، ومن ابتلي بنمط سلوكي مخالف فعليه أن يصححه ويهذبه وفق النص، لا أن يبرره بالنص، وحق الأمة وحرماتها مقدم على حقه الخاص، ولأجل الحفاظ على ميزان النصرة هذاوقول الحق وأداء الأمانة من الكل على الكل تحت حكم الله، صعد النبي صلى الله عليه وسلم منبره مغاضبا لما أراد أقرب أحد المقربين إلى قلبه الشفاعة في المخزومية ليرفع عنها حد السرقة؛ كما اتخذ الموقف نفسه في قصة بن اللتبية ، و أعلن براءته مما فعل خالد بن الوليد مع بني جذيمة لما قتل الأسرى، فمتى نتجرد في المواقف الدعوية فنصدق مع الله العالم ما في ضمائرنا أولا ثم مع عباده الذين يظنون بنا الحسنى ثانيا، ونلتزم بالحق الذي طالما طالبنا غيرنا بالالتزام به كي يحترمنا الآخرون ويستجيبوا لنا فيما ندعوهم إليه من الحق المبين، مؤمنين بأن الجميع معني في قوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).



محسن العواجي- جريدة المدينة- ملحق الرسالة - الجمعة 4/3/1425هـ



 

 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8