نعم لمراجعة المواقف ولا للتراجعات عنها

تقييم القراء: / 1
ضعيفجيد 

لو أن الأوضاع البشرية لا تتغيير ولا تتكيف وفق مستجدات العصور لما انتقل الإنسان من ماضيه الحجري قبل آلاف السنين الى حاضر الانترنت والفضائيات والترانزستور، بل مما يميز الحياة البشرية عن غيرها من الكائنات أنها تحمل خبرة تراكمية عبر التأريخ تجعل تطوره لا يقارن بغيرها.والخبرة التراكمية لا يمكن ان تكون إيجابة ما لم تتحقق إيجابيا عن طريق تدارك الخطأ بتحليل اسابه عن طريق مراجعات التجارب وتقييم المواقف، ومهما تخوفت فئة من البشر على مكتسباتها وانزوت في زاوية من أركان التأريخ معترضة على أية مراجعة فإن عجلت التطور البشري تسير وفق سنن الله وبمالا يتعارض مع وحي السماء من حيث الأصل، غير مكترثة بعزلة من يتوهمون أن بقاءهم في عزلة ليس فقط عن الغير بل حتى بالانقطاع عن الماضي موقف محمود محتجين بأنه لا يليق كثرت الالتفات الى الخلف بالمراجعات الشجاعة خوفا من نشر (غسيل الصحوة) في زمن يتصيد فيه الخصم كل ثغرة ليعمل ضدها. وبالرغم من مقاومة البعض لمبدا المراجعات في العمل الدعوي إلا أن بعض المحبين للخير كثيرا ما يلتفتون الى داخل الصف الذي له أولوية الإصلاح حبا منهم للخير وغيرة على الدين وطمعا في رص الصفوف فيدعون الى ترتيب البيت الدعوى من داخله عن طريق المراجعات لا التراجعات، فيتصدى لهم بعض الغيورين بتحفظات غريبة وتفسيرات مريبة لا أدري ما هي مبرراتها تتردد بين العتب اللطيف من المتعقلين وبين التهجم القاسي من البعض الآخر معترضين على كل مراجعة ضرورية لسبر إيجابيات العمل الدعوي وتنميتها وتشخيص الخلل ومن ثم الشروع في معالجته، ومعرفة الانجاز ومن ثم تحفيزه ايضا. ومهما يكن من امر فالتخطيط الاستراتيجي السليم لا يغفل الماضي الضروري لمعرفة الحاضر واستشراف المستقبل على بصيرة من الأمر، والماضي ليس كله على ما نريد وإن كنا نتمنى ذلك . وتتنوع تجارب الاسلاميين بنتنوع أقاليمهم ودولهم وبما ان الخطأ سمة بشرية وأن الكمال لله وحده فلابد من معرفة الأخطاء لتحاشيها مستقبلا، ولا بد من رحابة صدر لوضع النقاط على حروفها دون خوف أو تخوف. لابد من مراجعة استراتيجية العمل الدعوي بين الفينة والأخرى، ومهما كانت حدة المعارضين للمراجعات في اساليب الدعوة فمن غيرالمعقول أيضا تعطيل مشروع أمة بأكملها يتطلب وقفات صادقة، لاعتبارات شخصية وشبه شخصية لأفراد غالبا ما يحكمهم الوضع الإقليمي والمذهبي أكثر من أن تكون منطلقاتهم أممية إسلامية لدين أراده الله للناس كافة (وماأرسلناك ألا كافة للناس بشيرا ونذيرا). والمراجعات التي يرفضها البعض سمة حيوية حضارية لكل نشاط وتاج على كل كيان مخلص، ويأتي على راس ذلك العهد النبوي الذي يحلو لبعض المغالطين منهجيا أن يغضوا الطرف عن أعظم مراجعتين حدثتا فيه ، عندما وقعت هزيميتين عسكريتين في كل من أحد وحنين ،في كلا الحالين رد الله الأسباب بشكل رئيسي وعلني بقرآن يتلى، الى داخل الصف الإسلامي المحتاج الى مراجعة حقيقية تحمية من تكرار تلكم المأساة (قل هو من عند أنفسكم )و(ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم) بل فوق ذلك جاءت إشارات في مواقع أخرى تشير الى مستوى تهيئة العدو وذلك من باب تنبيه المسلمين على حجم قدرات الخصم ليعدوا للموقف عدته المناسبة كما حدث مع الأحزاب(إذا جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم) في وقت كان حال المسلمين (و بلغت القلوب الحناجرتظنون بالله الظنونا) وغير ذلك من الأمثلة التي تدل على أن النقد الذاتي لوضع ما في اي مرحلة من مراحل الدعوة إنما هو عمل مطلوب ينبع أساسا من الغيرة عليها وحب الاتقان في الأداء والصمود أمام الخصم ليس إلا، ولا يعنينا شيء بالدرجة الأولى مثل ما يعنينا شأن دعوتنا و أمانة حملناها يوم أن أبت السموت والأرض والجبال أن يحملنها، ولذا كان وهكذا يجب ان يكون معظم النقد والمراجعات موجها لمن يعنينا شأنه ، واما التيارات الأخرى فموقفنا منها لا يتوقف عند نقد الأداء كما هو الحال بالتيار الاسلامي بل قد نختلف معها في اصل فلسفة وجود بعضها بكامله.

على صعيدآخر لا ينكر منصف كثرت الأعباء الملقاة على تيار الدعوة مقارنة بغيره وبنفس الوقت تزايد إخفاقاته في مواجهة التحديات والأزمات المعاصرة نظرا للموقف المتوجس منه دائما وعدم تمكينه من مواقع التأثيرأسوة بغيره، ومع هذا فقد نفاجأ بمفارقات وتناقضات فكرية داخلية تتطلب مراجعات جريئة إذ لا تليق بأمة الوسطية التي نذرت نفسها لتكون خير أمة أخرجت للناس وشاهدة عليهم أن تتشرذم فكريا بعد أن تشرذمت سياسيا ، انظر على سبيل المثال الموقف من العلميات الاستشهادية ما بين مؤيد بشدة ومعارض بشدة وما تبع ذلك من صخب في مواقف من يتربعون على قمم الهرم الديني الرسمي كشيخ الازهر ومفتي مصر ومفتى السعودية والقرضاي وغيرهم مما يعكس تيها فكريا وغبشا في الرؤية أمام المتابع العادي الذي لا يمكن أن يفهمه دون ان يترك في نفسه شيئا ما حول مدى رسوخ المواقف وصمود الفتاوى وبالتالي أهلية القائمن على الدعوة في مواكبة متغيرات العصر التي باتت تتسارع بمعدل يفوق قدرات التيار على مواكبتها إيجابيا نتيجة للترهل القيادي من جهة والعزوف عن النقد الذاتي من جهة أخرى. فهل يليق بمن يملكون برامج إصلاحية أن يترددوا أو يخجلوا من القيام بمراجعات سجلها قبلهم رجال صنعوا التأريخ على رأسهم بلا شك سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.



 

 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8