هل أصبحت الدولة أكثر تحملا للنقد ممن كانوا ينادون به؟

تقييم القراء: / 1
ضعيفجيد 

 

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله فنحن كملسمين نملك اكتفاء ذاتيا بل علينا ان نقدم ما عندنا من كنوز حضارية تقديمة للعالم و يجب الا نقلد غيرنا وبين يدينا كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وبدونهما لن نستطيع منازلة القوم في ميادين الحياة التي سبقونا بما يعلمونه من ظاهر الحياة الدنيا ولو أنهم عن الآخرة هم غافلون ووالله الذي لا إله إلا هو لن تجدوا أهدى من سيبل الله الذي أمرنا باتباعه ونهانا ان نتبع السبل فتقرق بنا عن سبيله (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبهعوه ولا تبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) فهذا ديننا العظيم عبادة وسلوك ونظم ودستور ولا يخفى تميزه بالشمولية التى لا مثيل لها على وجه الأرض وأخذه كله يعني تقديم أنموذج مثالي لانقاذ البشرية إخلاقيا وسلوكيا فضلا عن الاقتصاد والسياسة الشرعية وعلم الاجتماع وغيره.

وبما أنه دين المعاملة فلا بد ان يتفرع عن هذه الشمولية ضوابط آليه موقفنا من الآخر موافقة واعتراضا ومن المخالف أيا كان ابتداءا بالمشرك الذي يرتكب أعظم ذنب عصى به الخالق وانتهاء بما يحدث الانسان به نفسه مما لا يعلمه إلا الله. وكل ذلك لا يخفى على علام الغيوب ليقيننا ان ديننا لا يخلوا من توجيه مفصل في كل جزئية من جزئيات حياتنا إن كنا نؤمن بالله واليوم الآخر وهذا هوالرد الحقيقي له وللرسول عند الاختلاف (فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ).

قطعا لا يتوقع ان يكون الناس على قلب رجل واحد تجاه أي قضية ومن من الطبيعي ان ينقسم القوم حول كل ما يقدم من فكر مكتوب او مسموع او مشاهد ولقد اختلف البشر حول أفضل الخلق بل اختلفوا في رب الخلق ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم. وليست الاشكالية هنا بقدر ما هي في منهجية إدارة الاختلاف الذي غالبا ما ينتهي الى خلاف مستعص لا يسعى اليه عاقل. وهذا الخلاف هو ما نهانا الله عنه بقوله (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحيكم واصبروا ان الله مع الصابرين) .

إذا كان اختلاف الناس حول امر يقبل الخلاف حق مشروع فإن اتفاقهم على أبجديات ضبطه أمر مطلوب أيضا فالعدل في الخصومة يختلف عن الفجور فيها والقسط غير الظلم (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظم به) فأين نحن من العدل والإحسان في تعاملنا مع المخالفين لنا وحكمنا على الآخر؟؟

بكل أريحية لنأخذ النقد كمثال حي على ضبابية فهم الناس له ودور الأهواء في تحريك دفته بعيدا عن الانصاف في أكثر الأحيان مع ان الكتابة في المواقع الحوارية لا تمثل توجها اجتماعيا معنويا يمكن الحكم من خلاله إلا انها تعكس مدى عمق التشرذم الفكري والانبعاجات في المفاهيم وفقدان أجواء التفاهم والعدل مع الآخر بحثا عن الحق الذي هو ضالة الجميع . طبعا لامقارنة بين النقد بالاسم الصريح وبالاسم المستعار من نفس الكاتب وهذا هو المحك الحقيقي للهوة بين حقائقنا ومظاهرنا!!! لا أدريد ان أحجر واسعا ولا أملك أنا ولا غيري الحيلولة بين الناس وبين توظيف التكنولوجيا المتاحة للعتبير عن الرأي بأي وسيلة ولكن اعتقد انه من حق الجميع أن ندعوا الى التوظيف الايجابي لما فتح الله به على البشرية من وسائل لم تكن في الحسبان قبيل سنوات مضت ...... فلسان الحال المنصف يقول: اكتبوا كيفما شئتم باسمائكم المستعارة او بالحقيقية وانتقدوا كيفما شئتم ولكن فقط عليكم بالعدل والقسط والتخلق بأخلاق قدوتنا صلى الله عليه وسلم فقد بعثه الله ليتمم مكارم الإخلاق فلا بد من استحضار خوف الله الرقيب علينا قبل البشر عندما نكتب حرفا نؤمن بأن الله سيسألنا عنه وعلينا ان نستحضر أيضا المنهجية والعدل في النقد ولا بد من ان يتحمل الجميع بالتساوي مشروع النقد الذاتي ونقد المحبوب ونقد الفكرة مهما كانت ولا داعي لهذه التشنجات التى مبرر لها لها عندما يقول البعض رأيه في أمر لا نتفق معه عليه فالنقد ضرورة مرحلية يجب ان تطبق على الكبير والصغير والحاكم والعالم على حد سواء ( ياأيهاالذين آمنو كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقو الله ان الله خبير بما تعملون).

عند تحليل موقف ما، فهل يلزم ان نحكم بالخطأ مائة بالمائة او بالصواب مائة بالمائة؟ مستحيل فالكمال لله ونحن جميعا مقصرون وعرضة للنقد؟ أليس كذلك؟؟ فلا تزكوا انفسكم ولا تزكوا على الله أحدا ممن تحبونه وتبالغون في حبه فهو أعلم بمن اتقى سبحانه، ولا تجورا في الحكم على مخالف فنحمله ما لم يتحمل ونؤاخذه بما لم يفعل ولنثبت لمن حولنا اننا أمام مشروع عادل نلتزم به قبل ان نطالب به غيرنا ... فلننته عن هذه الانتقائية البغيضة في المدح والقدح والحب والبغض والتأييد والمعارضة والتي من خلالها يراد لنا ان نكتب ما في النفوس المستترة وفق أهوائها وإلا فنحن على غير هدى من الله!! ولا كأننا نتلوا قوله تعالى (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله).

لنكن أكثر وضوحا في هذه الجزئية فالذي أفهمه من خلال تجربتي المحدودة في هذا الميدان أننا عندما نمارس حقنا المشروع في النقد فنحن نتكلم عن نقد شامل لكل ما يمكن انتقاده بهدف تقويمه ويشمل ذلك كل ميدان ممكن بما في ذلك على سبيل المثال:

- الدولة وأنظمتها - العلماء وما ألفوه من كتب وما ألقوا من محاضرات -الوهابية قديما وحديثا -السلفية نشأة ومعايشة -تنظيم القاعدة وملابساته الفكريو والأمنية - بن لادن وأيمن الظواهري - بوش و شارون -خطاب التعايش وبيان الجبهة الداخلية - الجهاد والجهاديين - الحملة العالمية لمقاومة العدوان -الحنابلة والأحناف - السنة والشيعة -الأسرة الحاكمة والأمراء - أشخاصنا (من باب أولى) - أمريكا - العدو الصهيوني - المناهج ....الخ

حسنا: لنتفق أولا بمشروعية النقد من الكل للكل!! وبعد ذلك نقول باي حق يراد منا الا نبخل بلفظ قاس على واحد من هؤلاء يشتهى الناس سبه وشتمه والجور في الحكم عليه بينما لا يتحمل النقد الذي على استحياء لطرف آخر؟ وهل من الانصاف ان نستقرىء ما في صدور الناس من حق وباطل فننطق به في المناسبات لنخدع انفسنا وأحبتنا بانه الحق وحده أو أنه مشروع الاصلاح؟ وهل من الانصاف ان نختار من لا يكترث بالنقد فنصب جام غضبنا عليه رقصا على تصفيق دهماء الناس و من لو قيل فيهم عشر معشار ما يقل فيه لزلزت الأرض زلزالها ولصدرت بيانات التجريم ولربما التكفيرضده ؟ ماذا هذا يا رعاكم الله؟ما لكم كيف تحكمون!

هناك أشياء لا يسمح هذا المناخ المغبر أن تطرح فيه رغم انها الحق لأنه لا يمكن ان تفهم على ظاهرها بين قوم تعودوا على القفز الى النوايا وفهم المواقف بأنها إما إيجابة مجردة أو سلبية مجردة، فمثلا لعله من المفارقات العجيبة اننا كنا نرى ان الدولة والأسرة الحاكمة هم أشد الناس حساسية من النقد وبالتالي أكثر خطورة عند الانتقام من الناقد ولذا تركزت مشاريع المناصحات في السابق عليهم بينما تبين انهم اليوم أصبحوا من أكثر الأطراف تحملا للنقد إذا ما قورنوا مثلا بالفئة المغالية حبا في بن لادن والقاعدة الذين لا يتحملون أدنى ملاحظة من محب لهم حتى لو قدم بين يديها عبارات التهدئة والتلطف التي غالبا لا تدرج ضمن سياق انتقاد الدولة التى طورت أساليب تقبلها للنقد فأصبحت أكثر تحملا وأقل انتقاما.

أعتقد اننا نتحدث عن وضع طبيعي عندا ندعو االى النقد الشامل و يجب ان يتحمل هالجميع فإذا تحركة قافلة النقد فليس هناك استثناء وإلا أصبحنا نكرر مآسى الحكام المستبدين الذين يختارون ما يتوافق مع أهوائهم ويتعمدون تجاهل مالا يخدمهم وهذا هو الهوى الذي نهينا عن اتباعه (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) وإذا كنا نزعم اننا مصلحون فما بال أقوام منا إذا انتقدت جهة معينة طاروا فرحا وكالوا لللكاتب كل ما تجود به قرائحهم من الفاظ المديح والإطراء (وكأنه يتظر منهم ذلك) بينما إذا طبق نفس الآلية بعدل على جهة أخرى يبالغون في حبها والاندفاع معها استبدلوا ألفاظ الإطراء بكل ما تجود به قواميسهم الفظة من عبارات الشتم والسخرية والاتهام؟

ألا يتذكر الأخوة ان المصلحين والمفكرين والمخلصين من كل طبقات المجتمع الذي ينشدون الصلاح العام يدركون جيدا ان عليهم ان يطرحوا مشروعهم الاصلاحي دون ان يتخيلوا أنهم في برنامج ما يطلبه المستمعون؟ ألا يدرك هؤلاء الأحبة ان الذي ينذر نفسه لهذا الميدان الإصلاحي عليه ألا يلتفت الى أصوات المخذلين والمتهمين له جزافا بما يدرك يقينا انها ليس فيه أصلا؟ وأن الأمر سواء بالنسبة له فلا ينتظر مدحا و لاقدحا بقدر ما ينتظر نقدا بناء يستفيد منه في خطواته القادمة في طريق يسلكه بقلة زاد وطول السفر!!

وأخيرا هل دور بعض الأحبة محصور في المراقبة والحكم على المجتهدينبغير عدل ؟أ أين دوره في البناء وأين الوسطية والاعتدال في المواقف ؟ ألا يوفروا وقتهم وجهدم لما هو أفضل من ان يكتب ليتشفى من مجتهد قدم نفسه وعرضه لميدان يعلم يقينا انه لن يسلم من همز الهمازين ولمز اللمازين رغم حرصه على انتقاد المحبين والمخلصن الذين يقومون خطأه دون ان يقعوا في شخصه وعرضه؟ انني اتأسف نيابة عن أحبتي هؤلاء فلا يسرني أن أرى دوهم في المجتمع بهذه المهمة التي يكفيهم أو جميعهم لا يسره ان يعرف الناس هويته الحقيقة مقرونة بكتاباته الجائرة في حق إخوان له مهما كتب عنهم فلن يزيدوه إلا دعاء له بظهر الغيب ان يقى الله شر نفسه والشيطان وان يغفر له.

قد يقول قائل لم الالتفات لهذه الاستثناءات الغريبه فهكذا الناس إذا أحبوا غالوا وإذا أبغضوا غالوا ومع الغلو لا يتوقع العدل بيد ان الحقيقة ان هذا مرض فكري يجب المشاركة في علاجه ومهما كان حجم المصابين به فلا ينبغى تجاهلهم فلهم علينا حق المسلم على المسلم كما أن هذه المظاهر الحادة في حواراتنا الفكرية ولو كانت سرية لتزيدنا قناعة بان مشروع الاصلاح ليس أمرا سهلا وان ما تتحمله الصحوة من مسؤولية لا يقل عما نحمله الدولة من لوم على الخلل العام الذي أصبحنا ندفع ثمنه جميعا؟ وعليه فلا بد أن ندرك أننا نحن أمام مشروع اصلاح مزدوج داخلي في تيار الاصلاح وخارجي في مجتمعنا ميدان الاصلاح، ومن هنا أناشد الأحبة عدم انشغال بالمفضول عن الفاضل فضلا عن الانشغال بالمحظور عن الواجب فالمسؤلية كبيرة والأمانة عظيمة تتطلب استنفارا جماعيا وعلينا مجاهدة النفوس في ذلك طمعا في الهداية الربانية لموعودة لمن قال الله عنهم (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).



محسن العواجي الوسطية/الحلقة الفكرية 22/5/1424هـ



 

 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8