وإذا قلتم فاعدلوا (....) منطلقات الحكم على المخالف

تقييم القراء: / 1
ضعيفجيد 

المتتبع لعموم نصوص القرآن والسنة يدرك دون أدنى شك انها في مجملها لا تقف عند النهى عن تزكية النفس فحسب(فلا تزكوا أنفسكم) بل تدعوا الى محاسبتها الدائمة (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) (لايؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)مما يعني ضمنا ضرورة اتهامها بالقصور والتحذير من التمادي بتزكيتها وأشد من ذلك المنة على الله وعلى خلقه بأننا على الحق في حين يخالفه من سوانا (يمنون عليك أن أسلموا)و (يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) والخلل في هذا تسبب في نشوء مرض تربوي عضال يكمن في عالم اللاشعور عند البعض ويبرز في لحظات الأزمة و يتمثل في نماذج غير محمودة ممن جعلوا من أفرادهم أو من جماعتهم أومن موقعهم على خريطة العلم والفكر معيارا أوحدا يميزون به الاتباع من الابتداع والحق من الباطل، بل ويتحدد قرب الغير وبعده عن الحق بقدر بعده أو قربه من موطء أقدامهم ، فاختاروا ما طاب لهم من المصطلحات الجميله وتفننوا في انتاج ما يؤذي الآخرين ممن هم ليسوا على شاكلتهم، وكالعادة لن يعدموا دليلا يلوون عنقه أو أثر ممن سبقهم يختارونهم بطريقة انتقائية ممجوجة.

الحديث هنا عن حضور الشأن الشخصي وهوى النفس في الحكم على مواقف الآخرين و معاذ الله أن أدعو الى اللامنهجيه في تحديد الموقف من الغير !!! ولكني أعدا الى ما دعانا اليه القرآن (ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقو الله إن الله خبير بما تعملون) قطعا نحتاج الى تمييز الصفوف وتمحيص المواقف ولكن بالحكم بالقسط وقول الحق بعيدا عن نزوات النفوس الأمارة بالسوء وتصفة الحسابات الشخصية و تعقيدات مناهج الجماعات والاحزاب الاجتهادية والتي جعلوا منها نصوصا محكمة في لأغلب الأحيان، والحكم بالقسط أمر رباني بحت لم يسنده ربنا على إطلاقه الى مخلوق حتى ولو كان بكمال سيدنا محمد صلى الله عليه المؤيد بالوحي والناطق به ففي موقف معين قال الله له (ليس لك من الأمر شيء)!!! مؤكدا أن الأمر برمته راجع لله وحده (ان الحكم إلا لله) الذي(يأمر بالعدل والإحسان)و أمرنا (وإذا قلتم فاعدلوا) وقال لداوود عليه السلام محذرا من هوى النفس (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) .

ومن المعلوم أنه لابد ان نتوصل الى فهم هذا الميزان الرباني للعدالة عبر اجتهادات البشر في اسقراء النص على تفاوت في الأفهام بيد أن هذا لا يعني إطلاق العنان ليعتبر المرء ما توصل اليه باجتهاده هو التفسير الأوحد ، لأمر اراد الله له ان يتنوع كمالا لدينه وتيسرا لعباده.

جميل أن يكون هناك حرص متواصل للالتزام بالمصطلح الشرعي، وجيل ايضا التواصي بالالتزام بالنص ولكن الإغراق في التشبث ببعض المصطلحات خصوصا المستحدثة منها سيؤدي في خضم تلاطم امواج الفكر الحديث حتما الى نفور يصعب استدراكه عندما يظن في الاسلام قصورا ليس فيه لمجرد اننا فشلنا في عرضه بطريقة سليمة . كلمة المنهج مثلا مصطلح يحرص البعض على تلقينه لمن يفهمه ولمن لا يفهمه وكأنها كلمة التوحيد!! وهي كلمة عائمة نوعا ما قد لا يدرك مضمونها بعض من يرددونها على أتباعهم . ولكنها كلمة راجت سوقها أخيرا بين المزايدين وبات كل حزب ينتج مصطلحاته التى عليها يقيس الآخر ومن ثم يحدد تعامله وفقها، ومع كل اسف لا يوجد ضابط شرعي مؤصل ولا أدبي مؤمل ولا عرفي مفعل ينزع فتيل التعطش لرمي المخالف بأسوأ ما تجود به قرائح البعض من تنقص لإخوانهم ورفقاء دربهم باتهامهم بتغيير المبادي والتنكر للمواقف وضبابية الرؤية لمجرد انهم لا يغردون في سربهم ولا ينزلون في مرابع فكرهم. ويزداد الأمر سوء عندما تروج موضه تكفير الأعيان خصوصا في مثل هذه الأوقات الحرجة التي قد تقتضي المصلحة السكوت عن أشياء يمكن الحديث عنها في غير اوقات الفتن.

بطبيعة الحال سنختلف حول هذه المسألة وواقعيا يسهل إدعاء الوسطية في الحكم على الآخر، وهذه إشكالية متعدية يشترك فيها حتى الظلمة والطغاة انظروا الى فرعون يقول(ماأريكم إلا ماأرى وماأهديكم إلا سبيل الرشاد) و حكم على مسوى بالكفر (وفعلت فعلتك التي فعلت وانت من الكافرين )(إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد) و كفار قريش يقولون(أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب) وهكذا يكون كل من لا يؤمنون بغير ذواتهم ولا يرون سوى منهجهم يشعرون الكون بأسره يتمحور حولهم وسواء أدركنا ذلك أن لم ندركه، فلسنا ببعيد عن هذه المعضلة الواجب علاجها بالالتزام الحقيقي- ممارسة لا شعارا فحسب- بالوحي الذي لم يكن مجرد نص يتلى أو متن يروى بل كان مشروعا علميا وعمليا في آن واحد فالعلمية في أصالة نصوصه (القرانية والنبوية) والعملية في سيرة قدوتنا صلى الله على وسلم الذي كان خلقه القرآن وكان على خلق عظيم.

و نظرة عابرة على سيرته تؤكد أنه كرس مشروعا عمليا هو اكمل ما يمكن أن يصل اليه البشرعلى الإطلاق لملازمة الوحي لتسديده في كل موقف يتطلب التنبيه (عبس وتولى)(عفا الله عنك لم أذنت لهم)(وتخشى الناس و الله احق ان تخشاه) (ما كان لنبي أن يكون له أسرى)(ياأيها النبي لم تحرم ماأحل الله لك) وهذه نصوص نهديها لمن يتضايقون من أي نقد بناء لأشخاص لا يبلغون مد ولا نصيف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فضلا عن مقامه العظيم، كما أن قدوتنا صلى الله عليه وسلم لم يغفل القوة والحزم في تعامله غير مستسلم للعواطف ولكن في زمانها ومكانها لصحيح كموقفه من يهود بني قريظة والمخزومية وابن اللتبية ، ولا غياب السماحة والملاينة في وقتها الصحيح ايضا غير تارك للنفس العنان لتنتقم ممن آذاها ،كعفوه عمن قومه (اذهبوا فأنتم الطلقاء) يتعامل مع خصومه دون مداهنة او تنازل عن ثوابت،و يتم ذلك في أرقى درجات الأدب كحواره مع عتبة بن ربيعة الذي جاء يساومه على لاإله إلا الله فكان ينصت قائلا(قل ياابا الوليد أسمع) فلما فرغ قال له( أفرغت ياابا الوليد؟) وهكذا..فعل الذين يمطرون مخالفيهم بسيل من عبارات النيل والانتقاص بالتثبيط تارة وبالتهور تارة وبالقعود تارة وبالعصرنة تارة وبألفاظ أصبحنا نستحيي من إيرادها ولو على سبيل ضرب المثال... أوعلى النقيض يمطرون من يعجون بهم بطوفان من عبارات التبجيل والاطراء والتقديس لمن يروق لهم عمله وفق ما تشتهيه الأنفس لا ما يقتضيه الحكم الشرعي ، عليهم ألا يجعلوا أنفسهم معيارا للعدالة والحكمة وقاعدة للجرح والتعديل والخطأ والصواب فيصدرون الأحكام جزافا ويلصقون التصنيفات عشوائيا لا لشيء إلا لأن الغير وافقوهم أو لم يوافقوهم على ما هم فيه من فهم أو مذهب أو موقف في امور أردها الله ان تكون مرنة تأخذعدة وجوه شرعية صحيحة وإن تباينة و لا يتجرأ أحد على تخطئة شيء منها، ولنا جميعا في سيرة قدوتنا صلى الله عليه وسلم خير أسوة.



 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8