أحمد يس: ماأطيبك حيا وما أطيبك ميتا

تقييم القراء: / 3
ضعيفجيد 

الحمد لله القائل (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

بعد شكر الله أولا ثم شكر الأحبة الذين تساءلوا عن عدم مشاركتي في الكتابة فورا  عن استشهاد البطل الفذ أحمد ياسين أقول لهم، معتذرا ومقدرا، والله لم أزاحم غيري في الكتابة عنه لحظة الحدث إلا لشعوري بعجز الكلمة المكتوبة عن التعبير مهما بلغت أمام سجل الفعال، وصدق الأقوال، وبطولات الرجال، التي سطرها هذا الشيخ والمجاهدون معه في حركة حماس الإسلامية، نحسبهم كذلك والله حسيبنا وحسيبهم، نسال الله أن يتقبل هذا الشهيد الذي لا تفي بحقه المقالات المكتوبة ولا المداخلات المنطوقة، وألا يحرمنا أجره ولا يفتنا بعده.

لا يكفي أني شاركت الآخرين في التعبير عن استنكار الجريمة عبر الأثير منذ الساعات الأولى، ولكن كلما هممت بالكتابة عن الحدث من وجهة نظري في الأجواء المزدحمة

تردد القلم وتعثرت الكلمات وفاضت العبرات، وتصاغرتُ أمام هذه القامة الشاهقة، وآثرت تأجيل المقال إلى حين مناسبة المقام وتخفيف الزحام، علما بأني لا أزعم ن في جعبتي ما يستحق الذكر، أو يواكب مشاركات الأفذاذ من خطباء العالم وكتابه المحنكين، بيد أن التواصل بالحديث عن هذا الحدث المدرسة هدف منشود بذاته، و مهما سطرنا عنه من عبارات بلاغية فلن تبلغ ما بلغه البرهان العملي لهذا البطل العظيم مؤسس وقائد هذه الحركة الجهادية التي أصبحت أصدق من يعبر ميدانيا عن موقف المسلمين ومشاعرهم تجاه قضيتهم الأولى، نسجل وبكل ثقة شهادتنا للتأريخ لقد بقيت حركة حماس أملا بعد الله وصمدت حماس جبلا لا يرام ولا يضام بإذن الله، عندما استُدرجت الأمة عبر ضعف حكامها من (كامب ديفد) إلى (مؤتمر مدريد) إلى ( شرم الشيخ) مرورا( بأوسلو ) و(السلطة) ...الخ، لتصفية القضية لولا أن قيض الله لنا حماس بيقظتها الإسلامية و بشعارها الشرعي والمشروع (وجاهدوا في الله حق جهاده)...و

السيف أصدق أنباء من الكتب****في حده الحد بين الجد واللعب

الحديث عن تقصير الأمة أصبح مكررا، فالافراد والجماعات يتحملون مسئولية ما يحدث هنا وهناك، و قبل تسجيل المواقف لابد من محاسبة النفوس، و رحم امرأ عرف قدر نفسه، ليس لمثلي أن يكتب عن مثل البطل أحمد ياسين إلا متطفلا، عندما تتراءى لي مثل هذه القامات العالية، أرجع إلى نفسي الضعيفة لله والقوية به، والفقيرة إليه والغنية به، فأعرف قدرها وقدر أمثالها، فينتابني خجل وحياء، كيف لا ونحن القاعدون الخطاءون بالليل والنهار، نتفرج من بعيد من بيوتنا على من اغبرت أقدامهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، دون أن نملك الشجاعة على مؤازرتهم الواجبة، ولو بجمع التبرعات اليسيرة لهم بل ولأسرهم المحتاجة وإيصالها إليهم خالصة لوجه الله ، طاعة لله رب العالمين وعصيانا لأمريكا، ثم ما ذا عساي أن أكتب عن مثل الشهيد العظيم أحمد ياسين الذي أنصت له العالم حيا وميتا، وأثبت أن الشلل الحقيقي هو شلل العزيمة والإرادة وليس شلل الجسد والعضلات، كيف ننسى ذلكم الوجه المشرق المبتسم الواثق بالله وحده، حتى لقيه مقبلا غير مدبر... ألم يحقق بجسمه المشلول وصوته الهامس المبحوح ما عجزت عنه عضلات وحناجر القادة والمشائخ والجنرالات!! حقا إنه عبد الله المجاهد أحمد يس وكفى، إنه المجاهد الذي قاد مشروع الجهاد بنفسه من كرسيه المتحرك الذي لا يكاد يتجاوز ثمنه بضعة دولارات، بينما تهتز منه عروش الجبابرة، فإذا تحرك وقف الناس، وإذا نطق أنصت الناس، قؤول لما قال الكرام فعول،لا يبتغى بذلك ملكا ولا عرض دنيا، بل كل أمله كان كما يردد (أملي أن يرضى الله عني) بينما العروش التي كلفت المليارات من أموال الأمة لا تعدو كونها عروشا ديكورية فارغة، إما عميلة أو جبانة أو في معزل عن هموم الأمة وتطلعاتها.

تقف العقول مشدوهة أمام منعطفات التأريخ الكبرى، وتأسرها مواقف الأبطال، فبقدر ما يحفزني هذا الحدث للكتابة عن ذلكم البطل، تحيرني العبارة، لأن لدينا مفاهيم مغلوطة تحتاج إلى تصحيح، حتى نميز بين الميت منا و الحي ؟ فهل أعزي الأمة في غياب مثل أحمد يس أم أهنأها باستشهاده؟ ثم أليست حاجتنا لتعزية الأمة في موتى الأحياء.... أولى من تعزيتها في أحياء الأموات الذين هم عند ربهم يرزقون؟ فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون! نعم لم يمت الشهيد أحمد ياسين بل الموتى هم الأحياء القاعدون من غير أولي الضرر عن الجهاد بالنفس أو بالمال أو بالكلمة حيث ميادينه الصحيحة كفلسطين، الموتى هم المتثاقلون إلى الأرض الراضون بالدنيا من الآخرة الذين أصبحوا يخشون أمريكا والصهاينة كخشية الله أو اشد خشية والذين انغمسوا في الترف والخطيئة وأخذوا بأذناب البقر، وتركوا الجهاد أمثالنا عسى الله أن يعفو عنا جميعا، أما الشهيد أحمد يس فقد بعث الله بسببه في الأمة حيوية فاقت ما حققه بمظهره المتواضع ومواقفه الصادقة في حياته، فما أطيبه حيا وما أطيبه ميتا ولا نامت أعين الجبناء.

هذه الأحداث تجري بتقدير مالك الملك جل وعلا، وأولى لنا أن نتعالى وترتفع آمالنا بالله عند حدوثها دون أن نستوحش منها، لأن أمر المؤمن كله له خير، و كل نفس ذائقة الموت والأمر كله لله، فإذا كانت الرسالات السماوية على قداستها وعظمها لا ترتبط بحياة مبلغيها (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) فكيف بما دون ذلك، و لئن غاب أحمد ياسين عن الساحة الفلسطينية والإسلامية بجسده فقد حفر ذكراه العطرة على قبة الصخرة الشريفة بحروف صادقة ستبقى على مر الزمان، بعيد عن عوامل التشويه العالمية، وسن سنته الجهادية المتميزة التي تلقفها من بعده أبطال آخرون (الرنتيسي ومشعل وغيرهم) و لسان حالهم يقول (إذا مات منا سيد قام سيد)، سدد الله رميهم وحقق لنا ولهم آمالهم.

يحدثني الزملاء في استديوهات قناة الجزيرة بأنهم لم يعيشوا لحظة استشهاد البطل حدثا كهذا من قبل، اندفع الناس للتعبير عن الموقف بعيدا عن خلافاتهم واختلافاتهم، و صدق من قال (موعدهم يوم الجنائز) ومن أصدق ممن يعبر عن مشاعره تجاه من فارق الدنيا ولا رغبة ولا رهبة من ورائه، لقد تزاحم العلماء والمفكرون والمثقفون من شتى بقاع الأرض على قناة الجزيرة مصطفين، فمنذ الساعات الصباحية الأولى لم يصلني الدور إلا حوالي الثالثة ظهرا، لقد شعرنا ونحن نداخل بأننا عالة وضيوف على جنازته الطاهرة، شرف لكل مداخل في حادثة استشهاده أن يتكلم عنه، في ذلك اليوم المشهود حينما عجزت حناجر الخطباء عن التعبير عن مشاعرهم الصادقة تجاه ذلكم البطل العظيم تقبله الله في الشهداء ورفع ذكره في عليين كما رفعه في الدنيا.

أخيرا: يبقى العدو عدوا مهما انخدع به البسطاء، ومن أصدق من الله قيلا (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) ما أقبح السلوك الأمريكي الانجلوصهيوني المتواطيء كعادته على الجريمة الصهيونية في حق المسلمين خاصة، فالتصريحات الرسمية من البيت (الأبيض) جاءت متأخرة و باردة وخجولة ولم تخرج عن إطار الحملة الانتخابية لبوش المستميت بإعادة انتخابه بأي ثمن ، أتبعوها بالفيتو المعتاد من مجلس الأمن ضد قرار رخو يدين عملية الاغتيال فقط! الأمر الذي يؤكد العنصرية الصليبية الصهيونية البغيضة تجاه بني البشر عامة وتجاه المسلمين خاصة، والتي تجعلنا نرفع أكف الضراعة لله داعين بالنصر للمجاهدين في فلسطين وأفغانستان والعراق على العدو المحتل، لقد طفح الكيل وبلغ الغبن منتهاه، من تصرفات إدارة بوش التي لم تكتف بما فعلته من جرائم ضد المدنين المسلمين في أفغانستان والعراق وفلسطين والسودان، بل واصلت استفزازها المباشر للمسلمين ودفعهم للتعاطف أكثر مع من يقاتلونها ويستهدفون مصالحها، لقد صرحت مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس عن مجرد (انزعاج!! الحكومة الأمريكية) من حادثة الاغتيال... مؤكدة بقوة على حق (إسرائيل بالدفاع عن النفس!!) رحم الله العدل لا أدري هل ستقبل أمريكا من العالم مجرد (الانزعاج) لما حدث لها في سبتمبر و نيروبي ودار السلام وكول! ثم ألا يمكن أن يقال –على سبيل المعاملة بالمثل- إنه من حق تنظيم القاعدة، والشيخ أسامة بن لادن الدفاع عن النفس!! لاسيما وأمريكا تستهدفه ومنظمته سرا وعلانية و بطريقة لم يسبق لها مثيل في التاريخ مستخدمة لذلك كل وسيلة بعض النظر عن مدى مشروعيتها. ألا لعنة الله على الظالمين.

اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون العدو الصهيوني والصليبي المحتل في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وتقصيرنا في دعم الجهاد في سبيلك، اللهم وأظهر الهدى ودين الحق على الدين كله ولو كره الكافرون.



محسن العواجي- الوسطية- الحلقة الفكرية 8/2/1425هـ



 

 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8