أما آن لمقولة(آخذينها بالسيف) أن تنتهي؟

تقييم القراء: / 6
ضعيفجيد 

 

الحمد لله الذي يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، والقائل (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شي فردوه إلى الله والرسول) والصلاة والسلام على القائل (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وبعد:

فإننا قوم قد أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، و المجتمعات المتحضرة تقاس بمستوى تعاملاتها فيما بين أفرادها وأسرها، وقيمة الانسان فيها تعكس مدى نضج حكامها وبعد نظرهم وثقتهم بمنهجهم وطريقة حكمهم، ولو كان سيد البشر فظا غليظ القلب لانفض الناس من حوله، لا خلاف بأن لكل مقام مقال ولربما صلح أسلوب ما و في مرحلة معينة لكن ليس بالضرورة أن يصلح نفس الاسلوب في مراحل أخرى، ومخاطبة المجرمين وقطاع الطرق والمتربصين بالأمة تختلف عن مخاطبة الناصحين المسالمين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والحافظين لحدود الله، ولقد تكفل الشرع بحفظ الحقوق كلها بأقوى النصوص المحكمة والمقدسة مع حفظ كرامة الجميع، ومن المعلوم أن الانسان يولد طفلا لا يعلم شيئا، ثم ينتقل في مراحل تعلمه وخبرته مع تقدم عمره وتفعيل عقله واستيعاب ما يدور حوله من تغيرات، قد تقلب المفاهيم وتعيد تحرير المصطلحات بما يناسب المرحلة، فلم يعد إرهاب (الكي جي بي) على قوتها وجبروتها مجديا، ولم تعد دكتاورية بونشيه ولا تشاوتسكو ولا أنور خوجه ولا حتى ستالين وتيتو مقبولة في أي مكان في عصرنا الراهن، مع أنها كانت يوما ما ذات قداسة كبرى وهيبة لا تطال، ومع أننا بحمد الله نختلف عن تلك المجتمعات بأنا نتحاكم إلى شرع هذب أخلاقياتنا وكفل لنا ديمومة حٌرم منها غيرنا، إلا أننا لا نقبل وجود لو شيء يسير من تلك الثقافات التسلطية في مجتمع ارتضى بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا، نحن جزء من هذا العالم المتقلب ولا يسع العاقل تجاهل ما يدور حولنا، ومن المنطلق الإسلامي الذي نعتز به ليس هناك نص أو عبارة لها قداسة وحصانة فوق البشر سوى نصوص القران الكريم وما ثبت من منطوق من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم وما دون ذلك فهو عرضة لإعاة التقييم والتقويم في كل مرحلة خاصة مالا يمكن تبريره شرعا ولا عرفا.

وفي مجتمعنا السعودي الناشيء هناك عبارات استمرأ بعض الناس سماعها إو إسماعها على اختلاف فئاتهم العمرية والمرحلية، فإذا سلمنا بأنه ليس على الطفل والمجنون والسفيه والمعذور حرج فيما نطقوا به من خطأ، فسيبقى العتاب على قدر المقام والعقل والمكانة، كلنا خطاء بلا شك، وقد يتحمل الانسان ما يخدش كرامته إما طوعا واحتسابا أو كرها أو رغبة أو رهبة في ظرف معين، ولكن ليس في أوضاعه الطبيعية، و صدور هذه العبارات ممن لهم مكانة اجتماعية معتبرة أمر لا ينبغي السكوت عليه ، وخاصة في هذه المرحلة، مرحلة التصحيح الدولي التي انتفض فيها الكثير من الغبار العالق في بعض مجتمعات العالم الثالث، مرحلة العولمة والانفتاح وتداخل الحضارات وارتفاع أصوات الشعوب، مرحلة اضمحلال الاستبداد وانتعاش الشعوب، ويزداد الأمر ضرورة إذا كانت تلك العبارات من المنكر الواجب إنكاره شرعا والتي تتعارض مع أهداف الاسلام الكبرى وتوجيهاته السامية كما قال ربنا (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ومن تلكم العبارات ما يردده بعض الأمراء في حال الغضب بقولهم في وجه المواطن (آخذينها بالسيف) عبارة اعتاد الناس عليها فيما مضى حتى أصبحت اليوم من منظور الجيل الجديد من أبناء مجتمعنا عبارة استعلائية طائشة غير محسوبة العواقب، وهذا هو الحق إذ أن القائلين بها لا يشيرون الى دابة أو عزبة أو ضيعة أو ناقة أوسيارة أو كرة قدم، بل يشيرون الى دولة مترامية الأطراف فوق كونها أهم دولة اسلامية دينيا واقتصاديا وجغرافيا، فقد جمعت بداخلها مئات القبائل العربية ذات الأصالة والتأريخ، وتضم أقدس بقاع الأرض وبمساحة جغرافية تعادل عشرات الدول ذات السيادة والشرعية الدولية، والكل تنازل عن إرث القبيلة طوعا او كرها و استسلم للشرع المطهر وحده لكي تحكمه الآية القرانية والحديث الشريف بواسطة السلطة او السلطان أو ولي الأمر الذي ارتضاه وبايعه على ذلك، ولئن تقبل الناس هذه العبارة القاسية في مرحلة كان هناك من يهدد تماسك المجتمع بالسيف فتطلب الأمر لغة سيف مماثلة ممن آتاهم الله الملك، والكلمة اليوم اقوى من السيف ومن المرفوض بل من المستقبح دينا وحضارة ومرحلة أن تبقى هذه اللغة الترويعية ذات المنة على الناس بغير حق في زمن الانفتاحات العالمية على مجتمعنا خاصة مع المواطنين الذين لم ينزعوا يدا من طاعة ويتطلعون بكل حب وإخلاص وولاء الى دولة المؤسسات والقانون والاستمتاع بأجواء الأخوة والأبوة التي بدأت تسود بحمد الله بين عقلاء الأمراء وعامة الشعب السعودي.

ومع احترامنا للجميع وإنزال الناس منازلهم إلا أن استخدام هذه العبارة في وجوه الموطنين تعتبر إهانة غير مقبولة زمنة في غير محلها ومغالطة تأريخية غير مقبولة و لا بد أن نذكر من يردد اليوم عبارة (آخذينها بالسيف) بأن عليه أن يعلم أنه لم يمسك السيف إلا للعرضة أو للشراء من متاحف التراث، ورحم الله الذين حملوا السيوف بقيادة المؤسس طيب الله ثراه، وضحوا بدمائهم الطاهرة ليقدموا لنا هذه الدولة التي نتفيؤ ظلالها وننعم بأمنها حكاما ومحكومين، فلا منة لأحد منا على أحد بل المنة لله وحده كلنا خلفناهم في مآثرهم، ثم ليعلم ايضا أن هذه العبارة بحد ذاتها سيئة في حق الأسرة الحاكمة نفسها لإذ أنها توحي وكأن الأمر كان مغتصبا مسلوبا منهوبا احتاج للسيف لحمايته و لتخويف كل من يطالب فيه، وهذا أسلوب من المفترض أن نتجاوزه قبل نهاية القرن العشرين طالما اننا في دولة ضمن الشرعية الدولية وأصبح لزاما على الجميع الحفاظ عليها، فمتى نستبدل مثل هذه العبارة الاستبدادية بافكار شرعية مدنية دستورية تعايشية كريمة تحفظ للحاكم وللمواطن حقوهم، دون أن ننازع الأمر أهله، و بأجواء أخوية حبية تعمق الحب والأخوة والرابط بين الجميع على أننا أسرة اسلامية سعودية واحدة متحابين متعاونين يحترم الكبير منا الصغير، ويوقر الصغير منا الكبير ،أشداء على الكفار رحماء بيننا دستورنا الاسلام وبلدنا المملكة العربية السعودية.

إن عبارة (آخذينها بالسيف) ومثيلاتها من عبارات الاستعلاء على الناس، فوق كونها تتعارض مع أبسط خطوات الاصلاح الشامل الذي وعدت به الدولة وبدأت خطواته الأولى، فإنها أيضا تشعرنا نحن الموطنين العاديين بالحرج والتهميش وكأننا ضيوف عابرون انتقل آباؤنا وأجدادنا للدولة بعد أن استتب الأمر بجهود محصورة بالأسرة الحاكمة نفسها، و لا أبالغ لو قلت أنها تعطي مدلولا قاسيا على نفوس الكرام وكأننا (قطيع) تطلب الأمر أن يساق ليس بالعصا فحسب بل بالسيف الأملح! بينما الأمر مختلف تماما ويشهد العالم كله ان المجتمع السعودي قد تدرج بتحمل المسئولية ويحظى باحترام دولي وله مشاركاته المحليه والعالمية في حفظ النظام والالتزام بالقانون واحترام الآخر والتعايش معه من غير ملته فكيف بمن هم يدينون بدين واحد وينطقون بلسان واحد ومن أقليم واحد.... فأين موضع السيف بينناء؟؟؟ ولذا فهي إنها عبارات مرفوضة لم يتلفظ بها خير البشر صلى الله عليه وسلم هو القوي الأمين، ولم يتلفظ بها أحد من الخلفاء ومن من هم في مقامهم والاعتراض هنا له ما مبررات شرعية وأدبية واعتبارية منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- إن استخدام هذه العبارة يأتي عادة من بعض الأمراء المنفعلين للرد على كل صاحب وجهة نظر يستخدم المنطق ليقرر حقا مشروعا دون نزع يد من طاعة، وهذا يعني عجز قائلها في الحوار عن الاقناع بقوة المنطق، فيلجأ إلى منطق القوة، وهذا إفلاس منطقي وفشل حضاري وإخفاق حواري لايليق.

2- استخدام هذه العبارة يعطي دلالة خاطئة بأن الأمر يبدو وكأنه مغصوب وبطريقة دموية، مما يتطلب إشهار السيف دائما دونه لئلا يسترد، وهذا خلاف ما توافق عليه المؤسس وجنوده.

3- هذه العبارة مغالطة للتأريخ وغمط لحقوق الناس، فمن المعلوم أن للمؤسس جنودا كانوا يتلقون السيوف بنحورهم سعيا وراء توحيد هذه الكلمة بقيادته، والمواطنون اليوم لم يشاركوا في ذلك القتال لكنهم أبناء وأحفاد أولئك الجنود بلا شك، كما أن حكامنا المعاصرين لم يشاركوا أيضا في القتال ولم يركبوا (الجيش والخيل) في تلك المعارك، لكنهم أبناء وأحفاد المؤسس، ولكل من الفريقين مقامه، فلم لا تكون علاقة سلف كل فريق على غرار علاقات خلفه، لحمة واحدة وصفا واحدا كالبنيان المرصوص.

4- إننا كمواطنين نتأذى جدا من إمطارنا بهذه العبارة بين الحين والآخر، فلسنا مجرمين ولا قطاع طرق تقدم لنا هذه الجرعة العلاجية القاسية، فهي تشكل في نفوسنا شعورا لا يليق بمجتمعنا ولا بحكامنا ونعتقد جازمين أن ضبط الأمر بالشرع والنظام والدستور خير من ان يفهم الناس من حولنا وكأننا فوضويون لا نستشعر المسئولية ولا ننضبط إلا تحت تخويفنا بالسيف.

5- القوة بعدل مطلوبة، والحزم محمود، والهيبة للسلطة ضرورية أيضا، وإن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقران، ولكن هناك فرق بين هيبة زائفة مبنية على حمية الجاهلية، التي لا تعطي فرصة لا لشرع ولا لمشروعية، وبين هيبة الشرع والنظام والدستور الذي يحفظ الأمن دون أن يشعر الانسان أنه ضيف عابر على هامش المجتمع وماالحاجة لمثل مجتمعنا بغير هيبة الاسلام.

هذا وإن مما شجعني على الكتابة عن هذه الآفة التأريخية و الحضارية هو أننا كسعودين كنا ولا نزال نتطلع للاصلاح الشامل والمشاركات الشعبية وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وبما ان خادم الحرمين الشريفين قد سن سنة حسنة بإعادة النظر في بعض الممارسات الخاطئة و استهلها بمنع تقبل اليد لغير الوالدين، ولم يسمع أحد منه ولا من كبار المسئولين في الدولة مثل هذه العبارة موضوع المقال، فلماذا لا نطالب ولاة الأمر بالتأكيد على احترام مشاعر الناس من قبل بعض صغار الأمراء الذين لا يتورعون عن خدش كرامة عقلاء الأمة الذين قد يفوقونهم معرفة بالتاريخ والمنطق ونصوص الشريعة والذين يعتبرون حقوق الراعي وحقوق الرعية من مسلمات الشرع الواجبة، إنا نعلنها بصوت عال مدوٍ بأن هذه العبارة الفوقية الاستبدادية مرفوضة دينيا وتأريخيا وأدبا، ولنا من أجواء المودة مع حكامنا ما يغنينا ويغنيهم عن مثلها، ونحن مسلمون قد كرمنا الله وأوجب علينا حقوقا تجاه ولاة الأمر، كما اوجب عليهم حقوقا تجاهنا، وفي شرعا آليات مرنه لحفظ هذه الحقوق دون أن يشعر أحد منا بدونية أو هامشية تكرس التوجس والبغضاء، ألا فليستيقظ بعض الأمراء الذين يعيشون في أبراجهم العاجية وينظرون الى الرجال من علو، وليحمدوا الله على ما آتاهم من فضله حتى تدوم هذه النعمه عليهم وعلينا، وليقتدوا بعد رسول الله، بآبائهم الذين يكبرونهم سنا ويحكمون البلاد دون ان يسمع منهم مثل هذه العبارة الجارحة، وإننا لنتطلع إلى اليوم الذي تمسح فيه هذه العبارات الجارحة ونظيراتها من ألفاظ الجاهلية من قاموسنا السعودي المعاصر ونستبدلها بعبارارت الاسلام القيمة الراقية الحضارية، التي تكرس العدل والمساواة والأخوة والاحترام المتبادل، فهذا والد وذاك ولد، وهذا حاكم وذاك محكوم، وهذا ناصح وهذا آمر وهذا مأمور بغير معصية، ولكل حقوقه وواجباته، ديننا لاسلام وبيتنا المملكة العربية السعودية وكبيرنا خادم الحرمين، فنصبح بذلك كالبنيان يشد بعضه بعضا وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.. قل عسى أن يكون قريبا.

محسن العواجي 27/11/1426هـ الوسطية /الحلقة الفكرية



 

 

 

التعليقات  

 
0 #2 وكأن أجدادنا جمهور يصفق للفائز !!طلال بن عبدالعزيز 2011-06-25 20:04
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

حقيقةً أن الجمله المذكوره أعلاه اصبحت اسلوب تهديد ووعيد جار عليه الزمن وولى , ولم تعد كلمة (آخذينها بالسيف) إلا طرفه من طُرف الزمن الحاظر ..

وكأن أجدادنا لم يأخذو بالسيف !!
وكأنهم يحملون اغصان شجر الموز !! وكأنهم لم يشاركوا بفتوحات المدن والقرى على لجزيرة العربيه !! وكأن وقفات الشماسيه وبريده وغيرها من مدن المملكة ليست شاهده حتى يومنا هذا !!


توضيح جميل يا دكتور - (ياليت قومي يعلمون)
اقتبس هذا الرد
 
 
+4 #1 كالعادة المطلوب السكوت بغير وجه حقبكل صراحة 2010-09-06 14:11
- إن استخدام هذه العبارة يأتي عادة من بعض الأمراء المنفعلين للرد على كل صاحب وجهة نظر يستخدم المنطق ليقرر حقا مشروعا دون نزع يد من طاعة، وهذا يعني عجز قائلها في الحوار عن الاقناع بقوة المنطق، فيلجأ إلى منطق القوة، وهذا إفلاس منطقي وفشل حضاري وإخفاق حواري لايليق.

هاذي هي الزبدة و هذا هو الرد الجاهز
إذا طالبت بجزء يسير مما تستحقه في وطنك من العيش بكرامة و بحبوحة من العيش .
اقتبس هذا الرد
 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8