أليس الأقربون أولى بالتبرعات؟

تقييم القراء: / 3
ضعيفجيد 

الحمد لله الذي هدانا لدين الحق الذي جعل الزكاة من أركانه والصدقة من سماته والخيرية من مقوماته، فأظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، وتلكم وربي صفات حضارية تقصر دونها الحضارة الغربية بعولمتها كما قصرت دونها الشيوعية قبل انهيارها، وكل مسلم سيفرح بكل خطوة تؤدي إلى رفع المعاناة ليس فقط عن بني البشر في مختلف أصقاع الأرض وإنما حتى عن الكائنات الحية الأخرى من حيوانات وحشرات، كيف لا وإسلامنا دين الإنفاق والرحمة والتفضل والشفقة، فليس فقط في كل ذات كبد رطبة أجر، بل نهينا عن قتل الهدهد والنمل، و دخلت النار امرأة في هرة حبستها وغفر الله لبغي في كلب أسقته ماء. هذه حقوق البهائم في ديننا فكيف بالبشر أبناء أبينا آدم وأمنا حواء فوق كل أرض وتحت كل سماء.

من الإنصاف أن نقدر ونؤيد هذه الحملة الإنسانية التي تبناها التلفاز السعودي لجمع التبرعات لضحايا زلزال تسونامي من حيث المبدأ، كما أن الاعتبارات الدولية ايضا لا يمكن إغفالها مطلقا بل في حدود العدل وحفظ الحق والكرامة. لكن هناك تساؤلات تدور في ذهن الكثير من المتابعين لهذه الحملة الوطنية الشاملة التي شارك فيها العالم والتاجر والسياسي والمواطن في الداخل والخارج، هذه الحملة التي رتبت بسرعة لا تقل عن سرعة الأمواج التي سببها الزلزال نفسه دفعتني لكتابة وجهة نظر متواضعة تحتاج إلى نقاش موضوعي جماعي ورحابة صدر خاصة وحسن ظن من الكل،ألخصها فيما يلي:

أولا: أليس الأقربون منا أولى بالمعروف والصدقة والتبرع والصلة دون حرمان الآخرين حقوقهم؟و من أولى بمثل هذه الحملات الخيرية المكثفة في بلد الخير: آلخلطاء الذين يعيشون على مسافة أكثر من 10 آلاف ميل ممن ربما لا يجمعنا وإياهم سوى الإنسانية وحدها، أم الأقربون الأصفياء من إخوان لنا في الدين والدم والعرق والقبيلة والجوار؟ وكيف تحركت إنسانيتنا من سماع هدير أمواج المحيط الهندي شرقا، ولم تتحرك من صراخ الأطفال وأنين الثكالى وتضور الجياع الذي كانوا ولا يزالون ضحية الزلزال الأمريكي والصهيوني بين ظهرانينا؟أين الإنسانية و ضحايا الزلزال الصهيوني الذي يدمر ويقتل ويحرق ويهدم في فلسطين يوميا و لعشرات السنين، تفوق ضحايا زلزال تسونامي القدري الذي لم يتجاوز الثواني المعدودة؟

ثانيا: أليس من حقنا التشكيك في كل دمعة تمساح تذرفها أمريكا على ضحايا الكوارث القدرية، ونحن نرى من جرائمها في أفغانستان والعراق وفلسطين وضحايا سياستها الإجرامية في كل مكان ما لا يقارن بضحايا أشد الكوارث الطبيعية؟ حتى عقلاء الغرب أصبحوا يتقززون من تشدقها بالإنسانية وهي التي خطفت موظفي الإغاثة الإنسانية من أفغانستان لتودعهم أقفاص جوانتانامو لأكثر من عامين دون أن تثبت على أحد منهم جريمة معينة تحاكمه عليها؟ أما إذا حكّمنا لغة الأرقام فإن أقصى إحصائية نشرت لضحايا سونامي المروع بلغت 150 ألفا، بينما قتلت أمريكا في هيروشيما وحدها أكثر من ربع مليون في لحظات بقنبلة واحدة استهدفت بها المدنين الأبرياء عمدا وعن سبق إصرار وترصد، فبأي وجه تتزعم أمريكا حملات التبرع العالمية ضد الكوارث الطبيعية؟ وبأي منطق تجاريها دول إسلامية محترمة عالميا،لها في قلوب المسلمين مكانة ولها سيادة واستقلال و رسالة إنسانية تنطلق من وحي السماء.

ثالثا: أليس من حقنا كملسين لُدغنا ولا نزال من الحجر الأمريكي عشرات المرات أن نطالب بمزيد من السيادة واستقلال القرار خاصة فيما له علاقة بالشأن الإنساني الذي نعتبره سمة متميزة في مجتمعنا الإسلامي رسميا وشعبيا وتقصر دونه الأيادي الأمريكية الملطخة بدماء الأبرياء في العراق وفلسطين وأفغانستان وغيرها؟ و إلى متى نكرر الخطأ السياسي في مجاراة أمريكا بعد تجربة حملات التبرع المكثفة والمستمرة لأفغانستان أبان الحرب الباردة في الثمانينات، ومثيلتها في التسعينات بعد اتفاقية دايتون لإعمار البوسنة مقابل التخلي عن استقلالها كدولة إسلامية في قلب أوربا، ومن سيثق بنوايا أمريكا في هذه الحملة التي أضحت مدعاة للقلق سياسيا بالرغم من جدواها الإنساني.

أخيرا:لا اعتراض على تضامن البشر فيما بينهم إذا لا يمكن لأحد تعطيل أثر الحس الإنساني، ولكن علينا أن نتذكر أولا حقوق أخوة الدين والجوار والعرق وحق ذوي القربى المنكوبين من كوارث إجرامية متعمدة، وعلى الأقل لا نجرم من قام بهذه الأعمال الإنسانية النبيلة عند تقصيرنا فيها، والذي ناصيتي بيده لا يمكن أن أنسى ما شاهدته من مآسي ومعاناة لأحبتنا الفلسطينين في مخيمي عين الحلوة والرشيدية في لبنان، فمن منا مد لهم رغيف خبز؟ علينا أن نحذر من الحرب النفسية الصليبية السلبية التي أرعبت المتصدقين والمتصدقات باستهدافها المؤسسات الخيرية العالمية، لقد قتلت أمريكا مؤسساتنا الخيرية وقتلت بذلك ملايين المحتاجين، فأين حملات التبرع لإخواننا لاسيما و الهامش الإنساني السلمي المتاح في فلسطين المحتلة والعراق المحتل وأفغانستان المحتلة يشكل ميدانا فسيحا للإنفاق في السراء والضراء من كل صاحب حس إنساني خيري حقيقي، يطعم الجائع ويكسو العاري ويداوي المريض ويواسي الجريح، وذلك وفق أولويات مشروعة معتبرة لا تحرم الآخرين حقهم، ولقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بأن يخبر أهل اليمن (بأن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) وعلى ضوء ذلك قرر الفقهاء منع نقل الزكاة من بلد فيه فقراء إلى بلد آخر، جعلنا الله وإياكم ممن قال فيهم (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا*إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) .

محسن العواجي الوسطية- الحلقة الفكرية 26/11/1425هـ



 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8