الوطنية والمواطنة في مجتمع الإسلام

تقييم القراء: / 2
ضعيفجيد 

 

عندما يستوطن الكائن الحي في مكان ما فإنه يختاره وفق معايير اعتبارية لها صلة مباشرة بحياته واستمراريتها ومن سنن الله عز وجل في مخلوقاته أن يكون للحيز الذي تعيش فيه بأبعاده الثلاثة اعتبار خاص بل يصبح جزء رئيسا من حياتها تحافظ عليه وتقاتل دونه وتضحي من أجله وله حدوده ومساحته ومعالمه (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء) وجميع الكائنات الحية لديها غريزة تحديد مناطق النفوذ ومساحة العيش أو بعبارة أخرى (تقدس) الوطن وتوليه اهتمامها للبقاء فيه على قيد الحياة، وتلكم من أسرار الوجود ومحفزات عمارة الأرض ، مشيٌ في مناكبها وأكلٌ من رزق الله وكل في كتاب مبين، والإنسان ليس استثناء من هذه الكائنات بل لقد كرمه الله عليها، وجعله خليفة في الأرض و من المفترض أن تكون طريقة توظيفه لغرائزه متميزة على غيره كتميز عقله على عقول الكائنات الأخرى، وكلما اقترب من سلوكها وابتعد عن كرامته كلما كان أقرب الى قانون شريعة الغاب حين تكون الغلبة للأقوى دون اعتبار لأي حقوق أو قيم أو مباديء، وهنا الفيصل بين الإنسانية والحيوانية ، إذ أن الحضارة الإنسانية تسعى الى تحقيق كل منفعة ممكنة مع دفع المضرة، دون حصر ذلك في زمان أو مكان أو فكر محدد، و على هذا جاء الإسلام بشموليته وقدرته العجيبة على التكيف وفق مصالح البشر، وكان الوطن مما أولاه اهتمامه مع اعتبار الرابط المنفعي والوجداني للأرض فلم يك خافياً حب النبي صلى الله عليه وسلم لمسقط رأسه ومرتع صباه وكان يكرر حنينه إليها وكان يسميها بأحب البقاع إليه رغم استقراره بعد الهجرة في المدينة.

وبما أن الحكمة من خلق الناس هي عبادة الله و استخلافهم في الأرض، فإن عمارة الأرض تقتضي حشد كافة الطاقات الفردية والجماعية وتذليل العقبات للوصول إلى مناخ جماعي آمن تنمو فيه أصول الخير وفروعه التي تشكل في النهاية غابة المجتمع المسلم بأشجارها المثمرة التي أصولها ثابتة وفروعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أي بعبارة العصر العناية بالوطن ومؤسسات المجتمع المدني كوسيلة لتحقيق غاية سامية، هذا ولا يرد التعارض بين الوطنية المنضبطة و عالمية الإسلام الذي يدعوا الى الأمة الواحدة، بل قد تكون الاهتمامات الوطنية لقطر معين هي الخطوة الصحيحة نحو تحقيق الوحدة الاسلامية ، فليست الوطنية بديلاً عن الوحدة الإسلامية ولكنها قد تكون سبيلاً يوصل إليها عندما تؤسس على تقوى من الله ورضوان ومن ثم نرعاها حق رعايتها مستنيرين بالوحي محكمين الشرع لا الهوى ، و ستبقى الوطنية محمودة مالم تتعارض بإطارها العام مع النصوص المخصصة لأحكام الفرد والجماعة داخل الوطن الواحد، فحق المواطنة مثلاً مكفول لكل من يسير على تراب الدولة صغيرة كانت أم كبيرة بما في ذلك حق الدواب، غير أن الأمر يجب أن يبقى في إطاره الشرعي الصحيح دون أن تضيع الأمور أو تميع الثوابت تحت مسمى الوطنية الفضفاض، فالمسلم وغير المسلم –مثلا-يكفل الإسلام لهما حق المواطنة العامة في الدولة المسلمة مع الأخذ بالحسبان تفاوت الحقوق ومن ثم تفاوت الواجبات مع ضمان العيش للجميع بأمن وأمان وفق اتفاقيات عادلة بدأت منذ معاهدات النبي صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين بالمدينة وكذلك الوثيقة العمرية بين المسلمين ونصارى الشام، ومن هنا قد تصبح رعاية الوطن والتواصي بالوطنية في إطارها المشروع واجب جماعي له في عموميات النصوص ما يوجبه على الجميع حكاما ومحكومين.

ليس الأمر شعارا لقومية ولا قطرية بل هو الخطوة الضرورية للوصول الى الأممية الإسلامية (إن هذه أمتكم أمة واحدة) ومن المعلوم أن الأمل المسلمين أن تكون أوطانهم وطنا واحدا دون اعتبار للأقاليم والأعراف والحدود السياسية، بيد أن ما حصل من بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1924م أدى مع كل أسف إلى تجزئة هذا الجسد الواحد إلى كيانات سياسية مزقت دولة الاسلام الواحدة بقوتها الى دويلات ضعيفة أمام جحافل المستعمر. فليس من المعقول ولا المقبول أن نفوت مصالح المسلمين الوطنية في دولة إسلامية معينة لننتظر فرصة تحقيقها بعد اتحاد الأمة وعودة الخلافة على منهاج النبوة!! وإلى أن يأتي وعد الله علينا أن نرعى مصلحة الوطن ونهتم بالوطنية ونحترم حق المواطنة المنضبطة للجميع محتسبين في ذلك وفق ضوابط شرع الله حتى يأتي الله بالفتح أو بأمر من عنده فتجتمع الأمة في وطن واحد بإذن الله تعالى.



 

 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8