المظاهرات بين الحظر والإباحة_____(دعوة لمناقشة الموضوع)

تقييم القراء: / 7
ضعيفجيد 

طرحت مشروعية المظاهرات ثلات مرات على الأقل خلال السنوات الثلاث الماضية، ابان ضرب العراق في رمضان، وانتفاضة الأقصى، وعندما رد شارون على قمة بيروت الأخيرة باجتياح الأراضي الفلسطينية، ويلاحظ زحف الظاهرة شيئا فشيئا نحو أوساط كانت المظاهرات فيها من اشد المحرمات، وأشعر اننا في طريقنا للتطبع معها عاجلا أم آجلا شئنا أم ابينا ، غير أنه ليس من المناسب بقاء هذا التوجس من جميع الأطراف (الدولة والشعب والعلماء) حول الدخول في تفاصيل الامبرر من هذا العمل وهمسنا فيما بيننا: أهو مقبول شرعا ونظاما؟ أم مشروع وغير مقبول نظاما؟ ام هو حق طبيعي لا يمكن مصادرته؟ أم أن لدينا خيارات أخرى قد تغنينا عن هذه الوسيلة وتكون اكثر فعالية منها (....) وغير ذلك من التساؤلات.....

فالدولة مثلا: لا تريد أن يسن في الساحة سنة قد لا يمكنها السيطرة عليها في غير هذه المناسبات، مع تصريح المسئولين ضمنا بتفهم امتلاء الصدور الغيورة مما جرى ويجري في فلسطين مثلا، ولها وجهة نظرها. والعلماء: هم ابعد القوم عن هذه المسألة لم يكن لديهم المتسع لبحثها وتأصيلها شرعا وتطبيق ذلك على واقعنا بعيدا عن الانشغالات الهامشية التي أشغلوا بها، ولهم وجهة نظرهم وإن كانت الأضعف مع كل اسف، والشعب: لايستطيع البقاء في معزل عما يدور بفضل عالم الاتصالات المفتوح و لا يستطيع كبت مشاعره المستعره تجاه استفزازات الأعداء كما أنه يشعر بالنقص جراء ما يحدث في كل مكان وكأن الشعب السعودي يعيش في كوكب آخر ولهم وجهة نظرهم ايضا.

وهذا ما يوجب بحث الموضوع بكل شجاعة واريحية وثقة بالنفس تحت مظلة الحفاظ على المصالح العامة، ولابد أن تكون الشفافية شعارنا مع دخول القرن الواحد والعشرين ، وذلك في مصلحة الجميع قطعا ولا يخفى أن الدولة أكبر من سيجني ثمرة حل هذه الإشكالية إذ لايكفي الشعوب اليوم أن تبلغ بالمنع والردع فقط كما لايمكن للشعوب تفسير هذا المنع تفسيرا يصب في المصلحة العامة للأمة دون الوصول الى حد معقول من التفاهم بين الحاكم والمحكوم يقدم من خلاله حسن الظن على ما هو متداول من وراء الكواليس بما لايخدم مصلحة الجميع ، فلئن يحترم الحاكم سرا وجهرا من قبل شعبه خير له من أن ينافق جهرا وينال منه سرا ويتحين الفرص للنيل منه لاسمح الله في الأوقات العصيبة فيدفع الجميع الثمن وقى الله العباد والبلاد كل فتنة، والعبرة بحقيقة ما في النفوس من صدق وموضوعية لا ما قد يظهره القوم للحاكم رغبة أو رهبة أو جهلا.

ومع أن المظاهرات تعتبر أسلوب تعبير وليست وسيلة تغيير مباشرة، إلا أنه من المناسب حقا طرح هذه المسالة ومناقشتها بهدوء تام بعيدا عن (أدلجة) السياسةو(تسيس) الفتوى فالاسلام حاكم على الجميع ولعله حان الوقت المناسب لمحاولة الخروج برؤية واضحة عن المظاهرات تخدم الصالح العام ولا تبقيها كالمعلقة فتصبح مادة إثارة ونقطة خلاف قد لا تستحق كل هذا الاستعداد، وإنما من خلال النظرة الشمولية للإسلام كدين نزل على العباد من ربهم.

وهناك نقاط جوهرية لا بد من أخذها بالحسبان عند مناقشة هذا الموضوع ومنها علىسبيل المثال:

- أن المظاهرات المتعارف عليها اليوم (مسيرات حاشدة- رفع اعلام وصور- إحراق دمى- ترديد أناشيد وعبارات حماسية..الخ) وسيلة لم تعرف من قبل عبر تأريخا بشكل واضح ، وإنما هي وسيلة مستحدثة للتعبير عن رفض موقف أو سياسية أو قرار داخلي أو خارجي، متبعة في بعض بلاد العالم وهي ترجمة لكلمة Protest وتعني الاحتجاج أو الاعتراض وهو مصطلح فرض علينا تحديد الموقف منه قبولا أو رفضا وفق معاييرنا الخاصة ولا بد من ذلك بكل وضوح وبدون تأجيل.

- لنكن واقعيين في مسالة اعتبار السلطة وعدم تجاهلها في موقفها من المظاهرات مهما كان موقفها منا أو موقفنا منها، فلا يوجد نظام في العالم مهما بلغت به الحرية يسمح بالمظاهرات دون إذن مسبق من السلطة المحلية وذلك لأهداف تخدم الصالح العام والكثير منا جرب هذا في الخارج فلم ير إلا المساعدة بتنظيمها كونها حقا يضمنه الدستور في بلاد الحرية، وبالتالي فلا بد مناستئذان السلطة فيها، طبعا قد يقول قائل وهو محق: لا يتوقع من سلطات العالم الثالث قاطبة أن تسمح بما لايوافق هواها. ومع التسليم بذلك إلا أنني أقول نحن الآن نتحدث عن مظاهرة ولا يتوقع أن تنمع دول العالم الثالث مواطنيها أكثر مما هو حادث في دول الحرية ونحن بصدد دراستة المظاهرات الشعبية دراسة شاملة من قبل اصحاب الراي والمشورة من شتى مشاربنا المعرفية بهدف مصلحتنا والدولة والعلماء والمفكرون وأهل الاختصاص أطراف رئيسية في هذه الدراسة ، وعند وجود القواسم الوطنية المشتركة التي يلتقي عليها الجميع بإخلاص يتحقق الهدف وليس بالضرورة أن يكون كما تهواه الدولة كما أنه ليس بالضرورة ايضا أن يكون كما يريده الغوغائيون مثلا، فالذي يحكمنا هو الشرع أولا والمصلحة ثانية وكرامتنا ومكانتنا بين العالم ثالثا ولا يمنع تحقيق ذلك مع شيء من التضحيات الفردية والجماعية بما لا يترتب عليها ضرر لمسلم ولا مسلمة غذا كان وفق رؤية واضحة وخطة مدروسة، وعلى هذا الأسالس فلا بد من الخروج بنتيجة محترمة من قبل الجميع من المفترض أن يترفع أي طرف عن مصادرتها و صرفها عن مسارها لخدمة أهدافه الخاصة على حساب تحقيق المصلحة الاسلامية الكبرى، فالعالم يتطلع الينا بأكبر من مؤتمر قمة طاريء أو مظاهرة أو تبرعات رسمية تسير في مسارات يعرف اولها ولا يعرف آخرها.

-بكل شفافية أقول: يلاحظ أن المظاهرات رغم منعها رسميا في أوساطنا إلا أنها ليست دائما في دائرة المحظور!!! فلطالما ورد في نشرة الأخبار الرئيسية المحلية العديد من أخبار المظاهرات في الخارج المؤيدة للمملكة في بعض الأحداث، بل ويساق الخبر من باب الاغتباط والسرور لا الاعتراض والتذمر، وهذا يجعل فهم تحريمها صعبا!!

-لا تكاد تخلو نشرة محلية في وسائل إعلامنا من خبر مظاهرات عالمية بشكل أو بآخر مما يعني ضمنا ان الأمر ليس بتلك الحساسية المفرطة عن البعض، والممكلة في نهاية الأمر جزء من القرية الكونية الصغيرة ثؤثر بها وتتأثر بمؤثراتها، وايراد مثل هذه الأخبار رغم السيطرة الكاملة على وسائل الإعلام تعني ضمنا قبولها في عقولنا الباطنية وصعوبة مقاومتها الى الأبد.

-أن المحظور سياسيا لا يتوقع بقاؤه الى الأبد محظورا، فكم من محظور بالأمس أصبح من واجبات اليوم العكس وهكذا.

- لا أشعر ان هناك حاجة ماسة الى حصر بحث شأن المظاهرات في دائرة الفتوى التقليدية فحسب، ولعل عموم فعاليات المجتمع فيما يخص الفتوى أصبحوا اليوم أقوى تأهيلا من عالم مغيب تماما عما يدور حوله ، إذ أن هذه الفتوى المنتظره منه قد يكتنفها غموض و تواجهها عقبت لا تخفى، وحال كبار أهل العلم في أوساطنا كحال المحلفين الغربيين في قضية لوكربي عندما شحنت الشعوب الغربية لأكثر من عشر سنوات ضد ليباء وأنها وراء تفجير الطائرة عن طريق شخصين محددين، فأنى للعدالة أن تأخذ مجراها والحال كهذه، وكذا يكون الوضع السيكولوجي للمفتي إلم يكن حال المستفتي ايضا كذلك!!! فلا يتوقع ابدا أن يتفهم العالم كبير السن مسألة المظاهرات تفهما إيجابيا ولا أن يفهمهما فهما عصريا بتجرد وحياد وهو يسمع الموقف الرسمي منها ليل نهار وعلى مر عقود من الزمن، ومن انتظر شيئا مقنعا منه في ذلك فهو كالمتطلب في الماء جذوة نار، ولذا لو سُألَ أي شخص كائنا من كان عن توقعاته عما سيقوله أي مفت أ وطالب علم عن حكم المظاهرات فسيقول أنه كلما صغر سن المفتي ونزلت مرتبته الوظيفية كلما كانت فتواه اقرب الى الجواز منها الى الحظر، وقد ينعدم التحريم مع انعدام الوظيفة إلم يتجاوزه للمندوب!! والعكس بالعكس.

- يجب ألا نعول كثيرا على المظاهرات التي هي موقف الأضغف دائما فـ( نحن شعب الأفعال لا الأقوال) كلمة أعجبتني من مسئول كبير قالها تعليقا على مظاهرات الجوف والظهران، وأتفق معه تماما ولذا فالانتقال الى النواحي العملية أولى من إضاعة الوقت والجهد في مسألة شكلية وإن كانت وسيلة تعبير وتنفيس واحتجاج شعبي لا يقلل من شأنها، غير ان الموقف بحاجة الى الأفعال قطعا، والذين غيروا وجه التاريخ هم أهل الأفعال (ياايها الذين آمنوا لم تقولون مالاتفعلون) وواجبنا الشرعي أكبر من ذلك بكثير كما أن قدراتنا وإمكاناتنا أيضا تفرض علينا مسئوليات كبرى تتناسب مع حجم الامكانات المتاحة والله تعالى سائلنا عن ذلك كله.

وحتى لا نغرق في التنظير على حساب المقترحات العملية واسئناسا بشعار ( اننا شعب الأفعال لا الأقوال) فإني اقترح بعض الخطوا ت العملية التي اعتقد انه من المناسب الابتداء بها حتى لا تنقشع هذه العاصفة دون استفادة عملية منها تؤهلنا لمواجة أمثالها مستقلا:

1- ترتيب مؤتمر شعبي كبير تحت رعاية الدولة تلتقي فيه جميع رجالات الفكر والعلم والكفاءات الوطنية المخلصة علنا لتناقش الموقف مما يدور في فلسطين المحتلة وأفغانستان السليبة بكل حرية، وتتداول فيه جميع الأفكار والآراء في هواء طلق بحيث لا تبقى مكبوته داخل النفوس وبحيث لا تتهم الدولة بما ليس فيها حيال الموقف مما يدور في فلسطين عندما لا يسمع الناس منها غير المنع والردع، وذلك اقتداء بموقف الرسلو صلى الله عليه وسلم عندما بلغه مجيء قريش الى معركة بدر جمع قومه فورا وقال (أشيروا علي أيها الناس) وتم التداول وكان الفرقان.

2- فتح معسكرات التدريب الرسمية على السلاح على غرار ما قامت به الدولة أبان غزر الكويت حيث هناك الآلاف اليوم من المسلمين يرغبون في التدريب على السلاح(يرهبون به عدو الله وعدوهم-شارون) ولكنهم لا يجدون بديلا محليا فيلجا البعض -معذورا- الى التحايل للسفر هنا او هناك للتدريب على السلاح الواجب ، مما قد يوقعهم في التدريب على اشياء غيره مما قد لا يناسب ظرفنا ولا يخدم مصلحتنا.

3- ضرورة التقدم بخطوات جريئة للتقارب بين الحاكم والمحكوم بما يضيق فرصة تسلل الأطراف المتربصة بالجميع ايا كانت أهدافها ومهما كانت هويتها وهذالا يتأتى بالشعارات ولا الادعات ولا المواعيد المعسولة من أي طرف ولا من خلال مخالفة الأقولال للأفعال. بل من خلال خطوات عمليه ملموسة مبنية على الثقة المتبادلة وحسن الظن ، تزال من خلالها جميع عوامل التوجس المتبادل ، ويحل حسن الظن محل الشكوك، وويسترد المواطن انتماءه الحقيقي لبلده وبالتالي استعداده للتضحية في سبيل ذلك.

والقائمة تطول، ولكن علينا ألا ننشغل بالخلافات حول قضايا قد تكون جانبية ليست ذات أولوية عما تفعله أمريكا في فلسطين وافغانستان. والله المستعان وبه المستغاث وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.

وكتبه/ محسن العواجي - الوسطية/الحلقة الفكرية 24/1/1423هـ





 

 

 

التعليقات  

 
+1 #2 الرياضمحمد بن ابراهيم 2011-05-02 13:35
في الحقيقة زي ماقلت يادكتور محسن العواجي في احد لقاءاتك. بان الانسان العربي عنده انفه إذا غضب لايهمه دين ولا غيره. فحرية الرأي قد تكون سببا لغضب الحاكم.
لكن الآن افضل بكثير من التسعينات وبداية الالفين وقبلهم الظلام الدامس السبعينات والثمانينات. ففي عهد الملك عبدالله تحسن الوضع كثيراً.
شاكر اتاحة الفرصة للنقاش
اقتبس هذا الرد
 
 
+1 #1 المظاهرات بين الحظر والاباحةأبو هيثم 2010-12-04 20:57
بسم الله الرحمن الرحيم ..

أشكرك يا فضيلة الشيخ الدكتور محسن العواجي على صراحتك .. وأغبط الأمة على وجود أمثالك وهم قلة قليلة ..

أما بالنسبة للمظاهرات ..

أولا: أعتقد أن الفصل في أمر المظاهرات هي مسألة في غاية الأهمية ..

وأنت يافضيلة الشيخ ذكرت ضوابط لهذه المسألة ..

وأنا أؤيدك على ماطرحته ..

ولكن المشكلة أننا لم نعتد أن نبحث مشاكل المجتمع بجدية ونخرج بحلول ناجحة ..


أنا بصراحة أشكك بكفاءة رجال المجتمع على حل مشاكله ..

وذلك مما أشاهده على الصعيد السياسي أو الاجتماعي ..

فياحبذا أن نبدأ بمسائل هي أقل أهمية من هذه المسألة ..

ثم إذا نجحنا ..بدأنا نتدرج إلى المسائل الأكثر أهمية..
اقتبس هذا الرد
 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8