الدعوة إلى الله عبادة أم تخصص!!

تقييم القراء: / 4
ضعيفجيد 

 

خطاب التكليف الرباني جاء مخاطبا البشر عامة (يا أيها الناس)والمؤمنين خاصة( يا أيها الذين آمنوا) وفي حالات معينة على وجه أخص فئة منهم (ولتكن منكم أمة)و(ولو ردوه الى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يعلم الأعرابي ثم يبعثه الى قومه معلما، والنفر من الجن الذين استمعوا للقران لماقضي ولوا الى قومهم منذرين من فورهم ، وليس آبلغ في هذا من (بلغوا عني ولو آية)(رب حامل فقه لمن هو أفقه) وهكذا الجميع مكلف ومخاطب بأن يتقى الله ويدعوا الى الله ، فإذا كان الأمر كذلك بفضل الله تعالى فلاأدري لماذا نصر على النظر الى العمل في مجال الدعوة وكأنها منطقة امتياز مناطه بفئة معينة سواء قامت بواجبها أو أخفقت، دون اعتبارلعباد لله لربما كانوا عند الله أفضل من الكثير ممن يتصدرون منا ،ثم أليس من علم حجة على من لم يعلم؟ وأن المحك الأهم في ذلك هو الحق (الحكمة ضالة المؤمن) فمن حمله فعليه أداؤه لمن جهله كائنا من كان، فأين روح التكامل الدعوي؟ يكفى المرء أن يكون آدميا مخاطبا بالوحي لكي نطالبه بالدعوة الى الله وهذا تخصص عام مشاع للجميع وخيرنا من (يرد الله به خيرا يفقه في الدين) فالباب مفتوح دون اعتبار لمدرسته التى نال منها شهادة أو قد يكون وجد نفسه فيها قدرا لا اختيارا، فما نقص بن حنيفة أن كان بزازا وما نفع ابن أبى داود أن تربع على قمة هرم المرجعية الدينية في زمن المأمون، هذا و لا اعتراض على ان من تخصص بفرع معين وتبحر فيه وعرف عنه بالجدية فهو ممن قال الله عنهم (فاسألوا أهل الذكر) ولذا فالمسئولية عليه تتضاعف، وإلا فيكون من أول من تسعر بهم جهنم، غير أن حال الدعاة الآخرين من غير دهاليز الجامعات الدينية والذين ينامون ويستيقظون وهمهم هذا الدين كيف ننصره وننشره يعيشونه كل لحظه من حياتهم لا يمكن غمطهم حقهم، واعتبارهم متطفلين على غير تخصصهم في وقت قد تجد منهم من يفوق قرينه ذي الشهادة الأكاديمية الشرعية علما وبصيرة وفي كل خير إن شاء الله، وتقصير العالم وطالب العلم الشرعي في مجال قد يصبح فيه الداعية المثقف أوسع علما فضلا عن كونه شبه متخصص أصلا فهذا خلل في منهج العالم نفسه فعليه أن يتقى الله ويقوم بواجبه ولا يرضى بتمثيل دينه بهذا المستوى الذي جعل المجتمع يتجاوزه إلى غيره ممن يسميهم بغير المتخصصين، أمر آخر لا بد من قطع دابر المزايدين ولنتذكر أن عامة الانبياء كانوا أصحاب حرف عامة فمنهم راعي الغنم ومنهم النجار والحداد وهكذا، بل إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا في شئون دنياهم كغيرهم و لم يذكر عن تخصصاتهم وتجاراتهم وأعمالهم إلا الشيء اليسير جدا مقارنة بما ورد عن بلائهم وصبرهم ودعوتهم الى الله، ونادرا ما يربط عملهم المهني بما نالوه من شرف الصحبة وتزكية الرب لهم بالجملة. فلماذا تضيق صدور البعض منا بما لم يضق به الزمان ولا أهله الذين هم أفضل منا بلا شك، ولماذا نشعر العاملين بالدعوة على تقصير منا أننا نضيق ذرعا حتى بمن يحمل على عاتقه فكرنا ومشروعنا وقد يجود بنفسه في ميادين التضحية أكثر مما نحدث به انفسنا على الأرائك أحيانا ، فيعمينا الحسد عن العدل مع الأحبة وقد أمرنا بالعدل حتىمع الخصوم، يحدث منا هذا بهدف تحطيم عزيمته وتشويه سمعته وإفشال مشاركته بالمشروع العام المعطش لكل دعم ومساندة، وكأننا نعيش اكتفاء ذاتياً في قضايانا الدعوية !! وكل ذلك تحت ذريعة أن هذا غير تخصصه وأنه يهذي بما لا يدري أو يهرف بما لا يعرف!!

وتطييبا( لخاطر)بعض أحبابنا الذين قد يشعرون بتهديد لمكتسباتهم التاريخية أقول من الانصاف أيضا أن يكون لمن تمكن من آلية الاستنباط وقواعد التخريج في علم معين كعلم الحديت تصحيحاً وتضعيفاً، حظا أوفر من داعية اطلع عليها بصورة عامة ، ولكن بالمقابل أيضا لو تميز أحد بهذا لعلم دون آن يتخرج حتى من الثانوية العامة فهو أيضا بمقام سام لا يقارن بمن يحمل الدكتوراه في العلوم الشرعية ولا يزال يؤم المسلمين في الجمعة والأعياد وهو يقرأ(ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) بفتح التاء دون ضمها !!!

الأمانة العظمى مسئولية كبرى ومن الظلم الفاحش ان يطلب من كل مسلم متعبد بطلب العلم الشرعي كونه يعيشه ويعايشه يوميا أن يعتبر تخصص العلوم الشرعية الذي يدخل فيه كل مكلف على تفاوت في التحصيل كتخصص جانبي كحساب المثلثات وجراحة القلب وحل المصفوفات ونحوها مما يكفي أن يعلمه قلة من البشرفي العالم. ولا غرو فالذي يجد نفسه في التخصص قدرا أكاديما عليه عبوره ليس كمن يتوق اليه مشتاقا مهتويا فيبذل فيه من الجهد ما يقوق قرينه مواصلا لربما أضعاف سنين تحصيل الكلية وكل ذلك على نية قيامه بواجب يجزم ان الله سائله عنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون دون أن يرد ذكر لتخصصه وشهادته الاكايمية. وعلى صعيد آخر نظرة عابرة للتأريخ تجد أن أغلب من صنعوه علما ودينا وسياسة لم يعتمدوا على حظهم من التعليم الرسمي بقدر ما وظفوا حصيلة طموحهم وهمهم الدؤوب الذي ارتضوه لأنفسهم وأمضوا فيه أعمارهم مواصلين حتى حققوا ما أرادوا على مرأى من جمهور المتخصصين المتفرجين.

وختاما أليس الأولى بنا أن نفرح بزيادة الدعاة والمصلحين ونفرح باستجابة الناس لله والرسول وإعطائه أولوية حتى على تخصصاتهم المهنية؟ فمتى نتوسط ونعدل ونتبعد عن كلمات التفريق كقولنا (تطاول) القوم و(تعالموا) ، بل كيف يصل بنا الجور في حق بعض إخواننا المسلمين - وفي حالة طرحهم مالا يوافق أهواءنا طبعا- أن نقول لهم أيها المهندس والطبيب لا شأن لك بالعلوم الشرعية وعليك بطبك وهندستك (فما لكم كيف تحكمون). ومع هذا كله فالمطلوب هو العدل والانصاف والابتعاد عن ازدراء البشر واحتكار الحقيقة و لا يعني بحال ظلم خريجي كليات الشريعة جهدهم وحرصهم على الخير وأحقية المتميزين منهم في الصدارة في مسائل تتطلب تقعيدا أو تأصيلا كالفتوى والتأصيل والتخريج ،ولكن أيضا لابد من إنصاف الفريق الآخر من الدعاة الى الله في ميادين قد تحتاجهم أشد من حاجتها لمتخصص دقيق في مجال معين، فهذا الفريق الأخير إن لم يعط حقه على أساس جهده وجهاده وغيرته على دينه فعلى أسوأ حال فليعتبر ولو (شيطاناً) يقبل منه الحق ويترك شأنه الى خالقه كما فعل حبيبنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم مع شيطان أبي هريرة.



 

 

 

التعليقات  

 
+1 #1 رد الدعوة إلى الله عبادة أم تخصص!! سجدة قلب 2012-09-23 10:57
كم أحبك يا أشجع رجال عصرك
حفظك المولى ورعاك
أيها العملة النادرة فكأني والله أرى عمر الفاروق رضي الله عنه
كم أنا متأثرة بك وبشجاعتك وقوتك ولو لا أني متزوجة لتمنيت أن أكون زوجة لك تستقي كل هذا العلم والأخلاق
بارك الله لك وحفظ لك زوجك وذريتك وأعطاك ماترجو
وقر عينك بما تسعى إليه من إصلاح وإحقاق للحقوق
اقتبس هذا الرد
 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8