الخطاب الديني بين مطرقة أتباعه وسندان خصومه

تقييم القراء: / 3
ضعيفجيد 

 

ليس غريبا أن يصبح الخطاب الديني مادة أساسية في الحوارات الثقافية والإعلامية إذ ايستحيل تهميشه في الوقت الراهن ليس في العالم الاسلامي فحسب بل على المستوى العالمي أيضا، والأزمة بين فحوى الخطاب الديني والتطلعات التنموية البشرية على ضوئه لم تكن وليدة المرحلة، ولا مقصورة على الدين الاسلامي ففي الوقت الذي عانت فيه المسيحية من سلبية رجال الدين في القرون الوسطى وإغراق أوربا بأكملها بضعة قرون في ظلام منقطع النظير بسبب فقدان خطاب القساوسة لمعطيات عمارة الأرض التي هي أمل كل إنسان سوي، ساد اعتقاد الشعوب الأوربية بأن النهضة الحديثة رأت النور عندما تخلصت من ربقة الدين وأحلت العلمانية محله وبالتالي أشرقت شمس الغرب رائدا للنهضة العالمية وانحصر دور الدين في زوايا المعابد الضيقة لمن وجد فسحة من عمله فقط وقليل ما هم. أما على الصعيد الإسلامي فالخلل موجود وإن كان أقل عما حدث مع المسيحية مما شكل عبئا تنمويا يضاف الى العقبات السياسية والاجتماعيةالتي تواجه دعاة التغيير والاصلاح في الشارع الاسلامي.

القصور في الخطاب الديني لا يعني قصورا في الدين فهناك فرق بين الدين كوحي رباني يشكل نظرية حياة متكاملة خالدة وبين إخفاق المسلمين في ترجمة هذه النظرية الى واقع حضاري،بيد أنه لا بد من الاعتراف بأن الخطاب الديني قد ترنح أمام تحديات اجتماعية وسياسية كبرى توالت عليه منذ أواسط الخلافة الراشدة عندما اختلطت الثقافات الفارسية والرومية بعد الفتوحات الاسلامية ودخل على المجتمع العربي أنماط حياة وفكر لم تكن معهودة في عصر النبوة المؤيد بالوحي مباشرة ولا في عصر ابي بكر و لا عمربن الخطاب الذي في أواخر عهده ظهرت على الساحة تحديات اقتضت منه مرونة فورية وشجاعة خاصة في التعامل مع النص المحكم باتخاذ الموقف على ضوء مرونة وسعة الدين وخاصيته التي تؤهله دينا عالميا الى الأبد. هناك حادثة وقعت في عصر عمر بن الخطاب لم يتجرأ على مثلها غيره وذلك عندما علق حد السرقة المنصوص عليه في القرآن في عام الرمادة (المجاعة العامة) وهي اليوم خطوة بمثابة تعطيل مادة اساسية في الدستور ولو فعل أحد عشر هذه الخطوة اليوم لما سلم من سهام قومه وقد يخرج من الملة كلها.

بينما نجد الخليفة الراشدي الثالث عثمان راح ضحية عدم حزمه مع خصوم الأمة أي عدم تقديمه لخطاب مرحلة متجدد وكذا الحال مع الامام علي رغم كفاءته التي جاءت بعد فوات الأوان ومنذ ذلك الحين والهوة بين النظرية والممارسة في الخطاب الديني تزداد حتى بلغت أوجها في نهاية العصر العباسي عندما انقسم قادة المجتمع الى ثلاث فئات فئة المترفين الباذخين من الخلفاء وندمائهم وفئة المنعزلين المنغلقين على انفسهم متمسكين بالنص بعيدا عن صخب الحياة وفئة الصوفيين الذي وجدوا في الروحانيات والخيال والخرافة والرهبانية ما يروي يوهمهم بشيء من الحق.

اننا نسمع اليوم عن المذاهب الأربعة مثلا ونتساءل عن سبب نشوئها في أقل من قرن وبقائها أربعة فقط وكيف أصبحت منطلقا لكل خلاف وعراك فقهي او مذهبي فيما بعد. غير أن اللافت للنظر هو تناسب انتشار كل مذهب مع مرونته ومنهجية مدرسته فنجد مثلا المذهب الحنفي (مدرسة الرأي) انتشر انتشارا واسعا فى العالم الاسلامي، بينما بقي المذهب الجنبلي (أهل الحديث) في اقل مساحة مذهبية منغلقا على نفسه منزويا في زوايا ساحة الفكر والمعتقد .

إن قصور الخطاب الديني اليوم يرجع الى خلل حاد في المفاهيم والمصطلحات الناشئة وانضواء الكثير من منابر الخطاب ا لديني تحت اللواء الرسمي في الدول الاسلامية طوعا او كرها الأمر الذي قلل من قبوله الشعبي ، ليس سرا أن المؤسسات الدينية الكبرى في الخليج ومصر والشام لم تتقل بعد من سطوة القرار السياسي البرجماتي البحت فهي بالكاد تتعايش معه وفق اجتهاد مرجوح لا يفي بالحد الأدنى من تطلعات الشارع الاسلامي الذي وجد نفسه ميالا أكثر مع كل عالم او مفكر يخرج عن المألوف ويطرح طرحا يلامس احتياجات الناس ويواسى آلامهم. ولعل نظرة خاطفة على بروز وأفول الرموز الدينيين في العالم الاسلامي خير برهان على ذلك حيث تطغى شعبية رموز عاملين بعلم زهيد على أولئك العالمين بعمل زهيد، الشارع الاسلامي اليوم يعرف الدكتور عباسي مدني (علم اجتمع) كزعيم سياسي إصلاحي جزائري أكثر من معرفة رفيق دربه العالم السلفي الشيخ على بلحاج ، ويعرف أحمد ياسين(لغة إنجليزية) وراشد الغنوشي (فلسفة وفكر ) وحسن الترابي (فلسفة وفكر) وعبد المجيد الزنداني (طبيب) أكثر من معرفته بعالم الحديث ناصر الدين الألباني أو أمام أهل السنة عبد العزيز بن باز أو فقيه العصر محمد بن عثيمين أو ثلة من علماء الأزهر التقليدين أو حتى شيخ الأزهر وهكذا.

إن إفلاس القيادتين الدينيين والسياسيين دفع الأمة الى البحث عن بديل مناسب فوجدوا الخط الثاني من العلماء (المارقين) على نهج الحرس القديم بخطابهم المعتدل والتعايشي يؤازرهم فئة التكنوقراط خيارا يجمع بين الحد الأدنى من النص الديني دون الإغراق في تفاصيل فروعه وبمتطلبات الدولة العصرية التي أغفلها الخطاب الديني التقليدي لعدة قرون، ومن هنا يتضح سبب خروج المستبدين عن طورهم عندما يتلاحم التكنوقراط مع الجيل الثاني من علماء الصحوة مكونين جبهة إئتلاف راسخة في وجه الاستبداد واحتكار السلطة باسم الدين خاصة، علما بأن عوار الخطاب الديني لا ينكشف في مسائل العبادة والتنسك بل امام تحديات كبرى كحقوق الأقليات والديمقراطية والمال العام حيث يجد الخطاب الديني المتنور مكانا يستطيع من خلاله التعامل الفوري مع مستجدات المرحلة. وعلى كل حال من حسن طالع التيار الديني انه لا يمكن تهميشه سواء كان خطابه قاصرا او مقصرا او كافيا وافيا فالدين في عالمنا العربي بالرغم من كل ما يقال عنه قد تجذر في الحياة والفكر وتموضع جينيا في دماء الشعوب الاسلامية لدرجة ان السياسي غير المتدين إذا تمكن من السلطة وجد نفسه مضطرا للباس العباءة الدينية صادقا او متملقا ولا أدل على ذلك من أن إدارة بوش نفسه- غير المسلمة طبعا- تتمسح ببعض جوانب الدين الاسلامي المتسامح إقرارا منها بقوته وتواجده الذي لا يزاحم رغم تفوقها العلمي والتكنولوجي. وختاما لا بد ان تتباين وجهات النظر حول تقييم الخطاب الديني لمحوريته في النزاعات كلها ومن الطبيعي ان ينقسم المثقفون حوله ما بين الغالي في تضخيمه والجافي الذي يبخس الناس أشياءهم ومهما وستبقى أسئلة جوهرية كبرى تحتاج الى مثل شجاعة عمر بن الخطاب للبت فيها بعيد عن الجمود الفكري وأحادية الرأي وعلى رأسها تحديد علاقاتنا ومصالحنا مع الحضارات والأمم الأخرى بعد سيادة العولمة الاقتصادية والانفجار السكاني والمجاعات على كوكبنا وتقديم خطاب مقبول عالميا يوضح بجلاء طريقة تعايش المسلمين مع خصومهم المتفوقين عليهم تكنولوجيا واقتصاديا وبالطبع تأتي في مقدمة تلك الأمم الولايات المتحدة الأمريكية.



 

 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8