الحكمة بين العجلة والتريّث

تقييم القراء: / 3
ضعيفجيد 

التجارب في حياة البشر منجم لاينضب ولا بد من الاستفادة من التأريخ وقد جاءت نصوص الوحي تذكر بالاعتبار بمن سلف، مع توجيه رباني للمؤمنين لتحديد التوقيت السليم لأداء الأمانة وفق ما يحبون وما لا يحبون تحقيقا لجوهر الايمان (لايؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) وبعيدا عن مواراة المواقف المحددة مسبقا وفق الهوى بأغلفة براقة ندرك يقينا أنها لتبرير التقاعس عند المتقاعسين أو التهور عند المندفعين ، ولذا يبقى الحكم بتجرد علىصحة توقيت القيام بعمل مناطا بعلاقة ذلكم المشروع بالأمر والنهي الشرعيين لا وفق أهواء القاعدين غير أولى الضرر ممن ينقبون عن الذريعة تلو الذرية للاستخفاء وراءها تهربا عن تحمل المسئولية، الفيصل في ذلك هو النص الشرعي وليست أهواء الذين تتحكم فيهم نزوات النفس من تشف وتصفية حسابات دونما دراسات مستوفية للحد الأدنى من المعلومة الشرعية والواقعية التي من خلالها يمكن تمييز المصلحة من المفسدة على بصيرة. وعلينا ان نقول التي هي أحسن ونقسط في القول والحكم ففي القوت الذي نقول فيه لمن يتعطشون لعمل ما قبل أوانه (كفوا أيدكم) فإننا ننكر أيضا على الذين قالوا (لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا) وهكذا. إننا كثيرا ما نتهم البعض (بالتهور) والاندفاع من جهة أو بالتخاذل والفت في العضد جراء (تريث) البعض من جهة أخرى حيال مشروع اجتهادي أو حتى جهادي يختلف الناس في تقييمهم لمدخلاته ومخرجاته، وننسى أن الحكمة ليست مقصورة على انتهاج التريث المطلق في كل شيء ولا على التدرج المطلق أيضا فقد تكون في المسارعة والمبادرة بل قد يكون الاستعجال فيها أوجب وأولى، في حين أن هناك من القضايا مايعتبر التريّث ركنا من أركان نجاحها، هناك قضايا اوجب الله المسارعة فيها دون تريث، ونهانا عن التباطؤ أو التسويف أو تأجيل مايجب فعله عن وقته المناسب فمثلاً أمرنا الله تعالى بالمسارعة إلى مغفرة منه وجنة عرضها السموات والأرض ونهينا عن تأجيل النفقة والتوبة حتى يدركنا الموت "وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت"وأمرنا بالتعجيل بتجهيز الميت ودفنه وقضاء دينه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته أن يسيروا الحثث ولا يصلوا العصر إلا في بني قريظة كما أمرنا بالإجهاز على العدو والانقضاض عليه في المعركة وغير ذلك مما يستوجب السرعة والمبادرة لإنجازه في حين يكون التريّث في مثل هذه الأمور مذموماً، ومن جهة أخرى هناك ما يتطلب التريث والتؤدة بل أمرنا بالطمأنينة والتدرج كالطمأنينة في الصلاة والتبين لكى لا نقول لمن ألقى الينا (السلام لست مؤمنا) وكذا الحال عندما يأتينا (فاسق بنبأ) والاندفاع في الوقوع في أعراض المسلمين لمجرد السماع (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا) وعدم الإقدام على عمل يترّجح أنه يترتب عليه مفسدة، وكذا مد اليد في قتال لم نتهيأ له الذي لا يقل عنه سلبية عدم المبادرة في الجهاد في وقت تكون الفئة مستعدة له أيضا .

إذاً الأمر ليس مقصورا على التنافس بين فريق المتعجلين (المتهورين) و فريق المتريثين (الحكماء) وإنما هو واسطة شرعية تتوافر لها شروط وتنتفي عنها موانع تختلف باختلاف القضايا زمانا ومكانا وتنتقل حيث تتحقق المصلحة بين المسارعة حيث تكون المسارعة ضرورية والتريّث حيث يتطلب الأمر تدرجاً، ولقد جمع الشاعر ذلك في قوله:

قد يدرك المتأني بعض حاجته *** وقد يكون مع المستعجل الزللُ

وقد تفوت علىقوم حوائجهم *** عند التأني وكان النجح لو عجلوا

تلكم المرونة مطلوبة في الحكم على اجتهاد الآخرين إذ لا ندري ونحن نصدر الأحكام جزافا أينا خير مقاما وأحسن نديا، والتأريخ مليء بالشواهد التي يكون فيها اجتهاد المرء مرفوضا في فترة حياته أمام أعين معاصريه بينما تكتشف الأجيال من بعده كيف كان حكيما وأمينا وشجاعا وناطقا بالحق وغيورا، متحملا تبعات ذلك على نفسه و ماله وولده .وخلاصة القول أن إذا ليس بالضرورة أن يكون كل من اتهم بالعجلة مستعجلاً ولا كل من تقمّص التريّث حكيماً وواعياً، بينما هناك حكمة منشودة هي ضالة المؤمن (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم).





 

 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8