الحرمان والاستغاثة بالمستعمر!!

تقييم القراء: / 2
ضعيفجيد 

 

الجهاد ضد المستعمر وتحرير بلاد المسلمين من أشرف أبواب الجهاد، غير انه من المفارقات العجيبة عند الأسوياء أن لايقف الأمر عند تعطيل الجهاد ولا تنحية الشرع في بلاد المسلمين وإنما يصل الى زرع اليأس لدى المواطن العربي من كل شيء لكي بدأ يبحث عن خلاصه عند المستعمر الذي كان بالأمس يضحي ويبذل الغالي والنفيس لطرده من بلاده ؟؟ المتابع لما يجرى على الساحة أخيرا يدرك بوضوح كيف بدأت عجلة التأريخ تدار قسرا للوراء في حق المسلمين، بعكس مخرجات العولمة والسوق الاقتصادية الحرة المجيرة مسبقا لصالح المجتمعات الغربية، فليس صدفة أن يرجع الملك ظاهر شاه دون اعتبار لثمن طرده من أفغانستان! ولا طرح عودة الهاشميين إلى العراق ضمن الوجبة الأخيرة في مطبخ العم سام ولا ما قد تفاجأنا به الأيام من سلسلة (كرازايات) أخرى أصبحت موضة العصر رغبة من المستعمر(بكسر الميم) وسط قبول من المستعمر (بفتحها) الذي يئس من كل شيء تقريبا فانتكست أحلامه و خابت آماله بعد أن أضاع عمره ممنيا نفسه بتحقيقها على أيدى حكام وعلماء أجبر على أن يسبح بحمدهم بكرة وعشيا دون مقابل ....!! والسؤال الذي يطرح نفسه:أما آن لهذه الشعوب المقهورة أن تنال حقها في الكلام فقط و تفتش عمن كان السبب وراء هذا الانحطاط التاريخي المخيف والصفحات السوداء في تأريخ أمة كان قدرها أن تكون القائدة والشاهدة على غيرها؟

لايزال الرعب والخوف يهيمنان على تفكير العقلاء فيفقدانهم الموضوعية في تشخيص الداء ، ومع ان الجميع شريك في الكارثة إلا أنه بلا أدنى شك يتحمل مسئوليتها أكثر من استبد بالقرارات المصيرية من حكام وعلماء وحاشية ووجهاء ومطبلين أوصلونا الى هذا الفراغ التأريخي القاتم خمسين عاما مع مرارة الحرمان والشعوب تعزي نفسها على الأماني والوعود التى تمطرهم بها وسائل إعلام أنظمتها ليل نهار يعدونهم ويمنونهم (وما يعدهم الشيطان الا غرور)ا! والنتيجة أنفاق مظلمة وتيه كتيه بني إسرائيل وإذا بالأمة تفتقد جيلا كاملا وجد نفسه قسرا على هامش التأريخ الإنساني وخارج عجلة الحضارة على غرار جيل الشيوعية في الاتحاد السوفيتي سابقا ا! ومن المؤسف أنه وحتى اليوم في عصر الفضائيات والانترنت لم يسمح بمناقشة هذه المآسي المؤلمة التى كرهت الناس ليس بحكامهم المستبدين فقط بل بدينهم الذي طالما تشدق به البعض ممن لا يرقب في من ولاه الله أمرهم إلاً ولاذمةً ولا صرفا ولا عدلا! ومن أظلم ممن يسرد على الأمة نصوص الطاعة و الصبر والاحتساب الأخروي و التذكير بالواجبات فقط في حين يتعمد حرمانها من سماع نصوص الحقوق المدنية التى هي أقوى سندا وأكثر ورودا!!

لنأخذ المجتمع العربي مثلا: ما الذي تحقق لبلاد العرب منذ الثورة العربية الكبرى (....) مرورا بجميع الثورات التى تلتها بل وحتى الأنظمة العشائرية رغم حسنها النسبي ورجل الشارع المسكين يلهث مؤيدا لكل من تناوب على اضطهاده ثم ما تلبث أن تتبخر آماله على إثر ما سبقها وما سيتبعها من شعارات خادعة . و بعيدا عن كل شعار: من يستطيع أن ينكر أن الجميع كان ولا يزال تحت(بسطار) الحاكم الذي يفعل ما يشاء وكل من ينبس ببنت شفة معترضا على افتراسه لشعبه فالويل كل الويل له شعوب فقيرة يقابلها مليارات الدولارات في حسابات حكامها عندما يقال أن رصيد ملك المغرب مثلا يزيد على ستين مليار دولار والشعب المغربي في حالة من الفقر المدقع يعرفها كل من زارها: من يفهمني كيف جمعها هذا الآدمي؟؟؟؟؟ والأسوأ من هذا ألا أحد يستطيع أن يتساءل مجرد تسائل ولا حتى لو كان هذا اللص صغيرا دون سن التمييز يتخوض في مال الله كيف يشاء!!أتحدى ان يقبل من أي مواطن عربي سوى القول بأن بلده أفضل بلد مهما كان!

إنها حقيقة مرة أن ينظر الى الحكام نظرة تأليه ، لا يتعامل معهم الا وفق قاموس خاص !! تراكمات الذل النفسي على شعوبهم جعلت من المستحيل ان ينادي الحاكم ومن له صلة به باسمه المجرد! كأن تقول السيد فلان! و يستحيل ان تخاطبه بالأخ!-معاذ الله- علما بان بعضهم في الواقع لا يشرف المواطن الشريف ان يصفه بالاخ! أما انتقاد الحاكم ولو في غاية الأدب والدبلوماسية فهو من المحظورات بل من السبع الموبقات!!! لأنه معصوم! ملهم! لا يرد منه الخطأ بل لا يرد منه إلا الصواب والحكمة والرشاد، تصورا في دولة عربية ينص دستورها على ما يلي ( يعاقب بالسجن خمسة عشر عاما من يمدح على الرئيس دون إذن مسبق من الجهة المخولة) هكذا للمدح فيف بغيره!! بينما انتقد الأنبياء عليهم السلام والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم سرا وعلانية دون أن يحدث كسوف للشمس اوخسوف للقمر !! وهذا طبعا يحدث لنا كعرب والعالم من حولنا يرتب أوضاعه لأنماط المعيشة الحديثة في القرن الواحد والعشرين!

لا أدري متى سيكون المواطن العربي مؤهلا لمناقشة معاناته المباشرة من بطالة وديون عامة وخاصة وقبول في الجامعات وتوظيف ونحو ذلك .... يمسي ويصبح وجحافل الشباب والشابات متكدسين حوله ، لا من قلة المال العام بقدر ماهو فساد إدارته وغياب القوي الأمين،و كيف يجرد الشرفاء من الآدمية و الإحساس الذي يجعلهم يشاركون إخوانهم أفراحهم وأتراحهم تحقيقا لمعنى الأخوة الإسلامية أولا ثم الوطنية ثانيا؟

نحن ونحن فقط كعرب ومسلمين لازمنا التخلف والفساد، والقهر والاضطهاد ! معانات متواصلة تتوالى على شعوب مظلومة مكلومة رجعت تفتش عن مهرب و ملجأ، تنبش رفات التأريخ الماضي باحثة عن امل... أي أمل... بل بصيص أمل وكان الاستعمار أقرب ما اصطدمت به فوجدت فيه – وللغرابة- شيئا من الأمل المفقود رغم مرور عقود من الزمن ولكنه كان أخف وأرحم من مآسي اليوم... فوجدت الأمة المسكينة ضالتها في المستعمر! وآ سفاه! وا حسرتاه! ولكن من الملام على هذه الجريمة؟ ألم تقدم الشعوب المسكينة كل ما تملك فداء هذه لأوطان التي لم تنفعها، ونصرة لهولاء الأنانين من البشر المتحكمين برقاب الأمة، كبيرة جدا تلك التضحيات التي قدمت تحت شعارات مغرية مثل استرداد الحقوق المسلوبة والحرية والتعبير عن الرأي والعدالة الاجتماعية و(الاشتراكية).....وكل ذلك أمسى كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء!!!

مرة أخرى يا أيها القوم: من المسئول عن هذه الانتكاسة التأريخية والاجتماعية التى جعلت الشعوب المسحوقة تستجير من الرمضاء بالنار؟

الحنين لماضي الاستعماري ليس مبالغة ولا تهويلا بل هو خيار المرحلة مع كل أسف عند البعض فلابد اننا سمعنا في خضم هذا التيه العربي المحبط رجل الشارع المصري الثمانيني والسبعيني يتباكى على عهد فاروق مثلا! و العراقي يتذكر عهد نوري السعيد رئيس الوزراء الذي تم سحله من قبل الثورة!! و السورى واليمني والباكستاني وغيرهم....!!! بل هناك دول أخرى لم تذق مرارة الاستعمار اصبحت تفكر فيه حلا لمعاناتها !!! كيف نلوم هؤلاء الذين أحبطوا ويئسوا من كل شيء و ما فتئوا يتنقلون بآمالهم وأحلامهم من مكان لآخر ومن زمان لآخر ومن رمز لمز.... فيتلقون الصفعة تلو الأخرى تحت مسميات حركية ودينية وسياسية وعشائرية تقمع الشعوب بما يحلو للحاكم من وسيلة: فشعوب تمتهن كرامتها تحت حجة قانون الطواريء!! وأخرى تذاق الأمرين تحت دعوى الحرب مع العدو الصهيوني وبالتالي على الجميع أن (يخرس) فلا صوت فوق صوت البندقية!!!! وشعوب أخرى تمتهن تحت جبرية السمع والطاعة دون التفات للنصوص التي تضمن حقوق المسلمين بلا منة من أحد ، وحقوق بسيطة تضيع مع صمت شعبي مطبق خوفا من الفتنة وتفريق الشمل!!! وكأن الحد الأدنى من المطالب الآدمية الأساسية تزعزع الأمن وتجر الى الفتن، ولا أدري كيف يتوقع الصبر والإذعان عندما يصل الأمر في مثل تونس أن لا يسمح للمصلين إلا في المساجد التي سجلوا أسماءهم فيها ولا يستطيع احد أن يصلي بغير مسجده ولا أن يدل أحد على مسجد وإلا فأجهزة القمع الأمنية له بالمرصاد! أيعقل انه في بعض بلاد المسلمين لا تستطيع الأخت المسلمة ان تختار ما يناسبها من لباس وحجاب! اضطهاد وحرمان واستبداد وقهر متسلط لم يحدث بهذه البشاعة حتى في مثل الدولة الصهيونية العدوة؟ و لما حدث في فرنسا تلك الحادثة بمنع الطالبة المحجبة قامت الجماعات الحقوقية من كل ملة ونحلة ضد ذلكم التوجه اليميني العنصري في فرنسا؟ فمن لأخواتنا في تونس والجزائر وتركيا وليبيا وغيرها؟؟؟؟ أما على المستوى النظامي فيكفي نظرة مقارنة إلى القضاء مثلا!!! ونظرة الى المال العام موردا او مصرفا: ففي الغرب الاستعماري (الكافر) الكل تحت سيادة القضاء ، بيل كلنتون أقوى زعيم عالمي لم يستطع المراوغة على القانون الذي مرغ سمعته بالتراب فلا يعرف حتى بعد انتهاء رئاسته بأشهر من تحرشه بمونيكا لوينسكي لأن القضاء والشعب تعقبوه بلا هوادة! توني بلير يرجع للقضاء عندما حرم مدرس ابنه من حق مضمون لكل طالب بريطاني!! هلموت كوول (بطل الوحدة الألمانية) يمثل أمام المحكمة للمسائلة عن مصدر بضعه آلاف دولار!! أبان ستة عشر عاما حكم فيها المانيا!!! اسحاق رابين اليهودي يستجوب قضائيا عن أربعة آلاف دولار استلمها دون أن يحدد مصدرها أبان رئاسته للوزارء! بنيامين نتنياهو يحقق معه لما جدد شقته دون أن يحدد مصدر الاموال ا لتى صرفها على شقته الخاصة!!!.......... ثم نستغرب بعد ذلك ان يفتتن الناس بالتغريب و يلوذ المضطهدون المسلمون بالاستعمار على قبحه! أو يزهدون في دين نردد عليهم صباح مساء انه يكفل لهم حقوقا لم يروها ! إنها نتيجة طبيعية مؤلمة عندما يقارنون حيث لامجال للمقارنة(...) والله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل واليه وحده نشكوا ضعفنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس .

ليت شعري هل أدرك الحكام الغافلون خطورة صناعتهم لهذه الأجواء الملغومة على وجودهم ومصالحهم الذاتية عندما تلتقي رغبة الجماهير المحرومة بالخلاص من المعانات من أنظمتهم ومجيء المستعمر الهائج بثياب الواعظين!!! انظروا مثلا كيف ارتمى الأكراد في حضن المخلص الأمريكي! وكيف تهافت الشيعة في جنوب العراق على الاستغاثة بقوات التحالف في حرب الخليج الثانية! قطعا لم تكن المسألة حبا لأمريكا بقد ما هي كراهية للبعث المجرم . وعلى صعيد آخر كيف يتسنى لنا أن نحدث الناس اليوم عن خطورة المستعمر ومساويء التغريب وهم يجدون بقايا بذور المجتمع المدني المفقود (برلمان-نقابات- قضاء-تعبير عن الرأي) في البلاد التي كانت مستعمرة أكثر من تلك التي ضاعت وضاع مستقبلها وأجيالها ما بين الاحتساب المجرد أ و التخدير بالافتخار بمآثر جوفاء تختلف تماما عن مآثر الرجال الصادقين في صدر الإسلام، وحتى على مستوى الوعي الثقافي والسياسي مثلا تجد شعب السودان رغم معاناته الشديدة يحمل من الوعي السياسي مالا يوجد عند النخبة في بلاد أخرى كدول الخليج المترفة مثلا؟

وأخيرا:أين العلماء الربانيون عما يجري؟؟ ما سر غيابهم المخيف عن كل شيء؟ هل انقرضوا بموت مشاهيرهم في مصر والشام والخليج؟ وهل بقى بعد ذلك مبرر لاحترام من لا وجود ولا أثر لهم في عالم الشهادة؟ وكيف نقنع الشعوب المتعطشة للمواقف وهي تتجرع مرارة الخذلان وخطر الضياع كيف نقنعهم باحترام عالم شرعي لا يحمل هما ولا يقرب ولا يباعد ولا ينفع ولا يضر؟ أينهم عن أمثال سعيد بن جبير وابن تيمية وبن حنبل والعز بن عبد السلام والأوزاعي وغيرهم...؟ أيعقل ألا صوت لهم البتة فيما يحدث على الساحة خاصة في افغانستان!!!! والفلبين وفلسطين والعراق..... بل أين دورهم في معاناة المجتمع اليومية.....ثم يراد من الأمة الواعية الجائعة بعد كل هذا ان ترجع في معاناتها الى من أثبت الواقع أن أحدهم لا يسمن ولا يغني من جوع؟

ختاما:الحديث عن الآلام لا ينبغي أن يقودنا لليأس فالهزيمة النفسية والإحباط هو ما يريد أن يغرسه فينا العدو، ولكن هيهات !! مهما فعل بنا فلنتذكر اننا أمة موعودة بوعود مشروطة فلا يأس ولا إحباط والله قد أنزل علينا (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا).

وكتبه/ محسن العواجي -الوسطية- الحلقة الفكرية 5/6/1423هـ



 

 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8