سجناء المغرب و(الختان العظيم)

تقييم القراء: / 11
ضعيفجيد 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على نعمة الإسلام ونعمة العقل والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين و كرم به الإنسان وقدره ورفع مكانه وشرفه بعد أن أسجد له ملائكته المقربين قال تعالى (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) وبعــــد:-

أعترف مسبقا أني أجبرت على الدخول فيما لا يليق الدخول به، ,إني أكتب مقالا استثنائيا أكرهت عليه، وهاأنذا محتار في المدخل فلا أدري بأي عبارة أبدأ، ولا بأي قلم أكتب بعد أن وصل الانحطاط القيمي والاستهتار بالإنسان إلى هذه الدرجة حيث استوقفني هذا الخبر المقزز و المنشور في وسائل الإعلام: (((بمناسبة الختان السعيد لولي عهد المغرب مولاي الحسن، أصدر الملك محمد السادس عفواً ملكياً عن ما تبقى من عقوبة السجن أو الحبس لـ 7179 سجيناً، وشمل هذا العدد الكبير شباباً ومصابين بأمراض مزمنة ونساء حوامل ومرضعات ومرفقات بأطفالهن ومسنين وعدداً من الأجانب من جنسيات مختلفة. وفصل بيان وزارة العدل المغربية طبيعة الذين أطلق سراحهم بمناسبة الختان العظيم على النحو الآتي: 692 شاباً تقل أعمارهم عن 20 سنة، و534 يعانون أمراضاً مزمنة، 19 من النساء الحوامل والمرضعات، 20 من الطاعنين في السن، 1459 محكوماً عليهم بعقوبات جنائية قضوا منها أربعة أخماس، 4429 محكوماً عليهم بعقوبات جنحة قضوا منها ثلثي المدة، و26 من السجناء الأجانب من جنسيات مختلفة)))).

لا أقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم إليك نشكو هواننا على الناس، ما هذه العبثية والاستهتار بمشاعر الإنسان الذي كرمه الله يوم خلقه وصوره فأحسن صورته؟ أنزه تأريخنا المشرق عن هذه المآسي الأخلاقية، وحتى في عصرنا الحاضر أعتدنا على أن يتحرى الحاكم بعض المناسبات المعتبرة عند الأمة كالأعياد وذكرى أيام النصر وهزيمة العدو لكي يتخذ قرارت مصيرية منها أن يفرج عن بعض سجنائه، لكن المقزز لذوي النفوس الكريمة عندما تكون قيمة الإنسان وحريته وكرامته مرهونة بعملية (ختان) يترتب عليها قرارات مصيرية كبرى (عفوا أيها الكرام على هذا الأسلوب فإنما أكتب تنزلا مع واقع فرض علينا لا يسعنا الصمت حياله) اعذرونا وقد ألجأنا إليه القوم بعد أن امتلأت به صحفهم وتحدثت عنه فضائياتهم بتبجح لا سابق له، بينما نعلم يقينا من ديننا العظيم بأن الله قد كرم الله الإنسان عامة وخص المسلمين بالاصطفاء والريادة والعزة، ليجد السجين نفسه في مغربنا العظيم رهين الحبس منتظرا مثل (ختان) أمير في بلاده لكي يأتيه الفرج بسببه!!! إنها عملية ختان فقط !ثم يقولون عنها (مناسبة عظيمة!) هيه! أي مناسبة عظيمة ؟ ينتظر المواطن قطع جلد رقيق يكسو أحد أعضائه! لتصبح مناسبة وطنية عظيمة يترتب عليها رد الغائب وفك الأسير وإطلاق المريض ولم شمل الأسر!!! ثم هؤلاء الآلاف من السجناء الذين أطلق سراحهم في المغرب بمناسبة (الختان العظيم) كيف ستكون معنوياتهم وحياتهم بعد ذلك؟ وكيف سيتحدثون عن هذا العفو مستقبلا؟ وقد خرجوا إلى الحرية بمناسبة (ختان!!) أهكذا تصبح قيمة الإنسان ونحن في القرن الواحد والعشرين!! بئس والله ما فعل القوم بشعوبهم وكأنهم لا يعلمون أن التأريخ سيسطر ضدهم هذه المآسي وستلعنهم الأجيال القادمة جيلا بعد جيل كلما قرؤوا أفعالهم ، نعم أقولها ولا كرامة لمن لا يكرم من كرمهم الله وأعلى قدرهم، إن ربط مصير الإنسان بختان آخر كائنا من كان إهانة لكرامة الإنسان وسابقة غريبة لم يفعلها حتى من أرسل الله عليهم العذاب كفرعون وعاد وثمود وأصحاب الأخدود ولا حتى مشركو العرب في الجاهلية، وحتى يومنا هذا يستحيي الناس وقد مروا عن بكرة أبيهم عبر ذكور آبائهم كماء مهين أن يتحدثوا عن ذلك فكيف إذا ما أجبر المرء بعد أن بلغ من الكبر عتيا أن يرتبط مصيره بتغيرات جراحية طرأت على (ذكر) فرد من البشر لا يمت له بصلة ولا قرابة، فهل من احترام لمشاعر الناس وتقدير لمرؤتهم وكرامتهم وإنسانيتهم؟

وأيم الله لقد طفح الكيل مما نرى ونسمع وللصبر عند الشرفاء حدود وللحلم عندهم قيود، والضيم له مرارة خاصة، وهؤلاء القوم لن يرضوا أن يعاملوا بمثل ما يعاملون به شعوبهم! لا يزالون يراوحون مكانهم وقد تغير العالم من حولهم، فقديما انتهت الحرب الباردة، وسقط جدار برلين وأعدم نيوكولاي كشاوكسكو و حديثا أسقط نظام البعث وحطمت تماثيله، وكأننا نحن العرب قد كتب علينا أننا استثناء من العبر ولا يطالنا القدر! أما أنتم أيها المنافقون الإعلاميون الذين تزينون للحاكم سوء فعله فأقول لكم: لقد تحملتكم الشعوب على مضض وأنتم تؤلهون الحاكم وتقدسونه، تحملوا قولكم بأن الحاكم هو الأعقل حتى لو كان سفيها والأعلم حتى لو كان أميا و أن حصانه وبعيره هي الأسبق وأن طيره وكلب صيده لا تضاهى، لكن الأمر الذي لا يقبله من لديه أدنى كرامه أو ذرة من عقل هو أن يكون (ذكر) الحاكم متميزا على (ذكور الشعب) وأن له خصوصية قد ترتبط بها مصائر الأسر والأفراد والجماعات، فأي كرامة لوطن أصبح ختان ذكر أحد أفراد الأسرة الحاكمة فيه مناسبة وطنية عظيمة تذل لها الرقاب وتطأطئ لها الرؤوس وتفتح بسببها أبواب السجون؟ إنها إهانة لكل عربي مسلم تربى على الشيم والقيم والمعالي الرجولية وكأن المناسبات فقدت ليربط صاحب القرار فك أسر أكثر من سبعة آلاف سجين بالتغيرات الطارئة على (ذكر) نجله فأين الحياء والمروءة بعد هذا؟

إنني أشعر بالأسى نيابة عن الأخوة في مغربنا العربي العظيم وأبدي تعاطفي الشديد مع الذين وجدوا أنفسهم أمام هذا الموقف المحرج ، و قد يكون أخف الضررين لهم أن يتجرعوا مرارته بصمت ترفعا عن الخوض فيه، ولكني أحمد الله الذي جعلني أنتمي لدولة جعلت حفظ كتاب الله سببا لإطلاق السجين وتخفيض محكوميته و لم يجعلني مواطنا هناك أتلقى مثل هذه الإهانات المعنوية وإلا لتقيأت دما من القهر والغبن ولكسرت قلمي وسكبت محبرتي على رفاة الكرامة التي يحاول القوم اختزالها في عملية (الختان العظيم).

المسألة ليست دينية أو أخلاقية فحسب بل وحتى سياسيا لا يقبل مثل هذا التصرف المستهتر بقيمة الإنسان وكرامته ولا أتصور أن الملكين محمد الخامس – مثلا- ولا الحسن الثاني رحمهم الله سيقبلون بهذا لو كانوا على قيد الحياة، ثم على صعيد آخر أما وجد المنافقون في الإعلام المغربي من مآثر حكامهم شيئا يقدمونه للعالم غير الحديث عن (أجهزتهم التناسلية؟) و أيهما أولى بالاهتمام عملية ختان تحت عناية طبية فائقة أم ملابسات تقطيع مئات الرؤوس البريئة يوميا من إخواننا في فلسطين والعراق وأفغانستان و بأسلحة قوم لا يختتنون أصلا؟ وإذا ما شغل القوم عملية الختان العظيم من لشهداء العراق وعفاف السجناء في أبو غريب؟ ومن لمعسكر غوانتاموا الظالم ومحاكم التفتيش الأمريكية المعاصرة فيه؟ أسير مغربي أطلق سراحه من معسكر دلتا- غوانتانامو يروي قصصا تفوق الخيال ومع هذا لم تأخذ عند المنافقين حيزا إعلاميا يذكر لأنهم مشغولون ليشرحوا للعالم كيف تمت عملية (الختان العظيم؟؟؟)

أيها المنافقون المتزلفون انتهوا خيرا لكم آذيتمونا: تحملناكم بوصفكم الحاكم بأنه على كل شي قدير و أن كل خير على وجه الأرض إنما هو منه! وكل شر فيها إنما هو منا عامة الشعوب! تحملنا منكم تقديس الحاكم وملبسه ومشربه وأمره ونهيه، لكن أن تضطرونا معكم إلى تقديس عورته أو عورة أحد أفراد أسرته بحيث نعيش معكم ما قد يطرأ عليها من تغيرات واعتبار ذلك مناسبة وطنية كبرى يترتب عليها قرارات مصيرية وسيادية وقضائية فهذه تسمى حقارة تاريخية نربأ بأنفسنا عنها وخسة أخلاقية نترفع عنها كما أن السكوت عليها من قبل المثقفين غش للأمة إذ لم تفعل هذا ولا الحيوانات في غابتها، ورب العزة والجلال إني أكاد أتميز غيظا عندما أتساءل: ما لذي يتميز به (ذكر) الحاكم أو ولده؟ و هاهنا ملايين الشباب يختتنون يوميا، دون أن ترتبط بأجهزتهم التناسلية عمليات فتح وإغلاق أبواب السجون أواسئناف الأحكام القضائية.

كان الله في عون هذه الأمة العربية والإسلامية برجالها وشرفائها إذا ما ابتليت في مثل هذه المآسي وجعل الله لها من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ومن كل بلاء عافية، أما لو كنت سجينا في المغرب ثم قيل لي تعال ليطلق سراحك بمناسبة (الختان العظيم) فلن أكتفي بمطالبتهم بردي للسجن المؤبد وإنما سأطالبهم فورا بإعدامي لأن أمة بلغت بها المهزلة أن ارتبط مصير سجنائها بختان أحد اقارب حاكمها حري بها ألا ترى الحياة ولبطن الأرض خير لأحرارها من ظهرها وكما قال المتنبي:

وعندها لذ طعم الموت شاربه**إن المنية عند الذل قنديدُ

وختاما: قد يقول قائل لماذا أكتب بهذا الأسلوب المندفع؟ ولماذا أغضب لما استغضبت؟ والجواب هذا النوع من الكتابة يناسب هذا النوع من البلوى التي لا مناص من تحديد الموقف منها وبعد ذلك لا يسع الإنسان إلا أن يتحمل التبعات الحسية والمعنوية و الذوقية والأمر ليس نجوى سرية أو همسا خلويا بل خبر علني مؤسف تناقلته كافة وسائل الإعلام و يعتبر بجميع المعايير إهانة مباشرة لكل البشر وليس فقط للسجناء الذين أطلق سراحهم بهذه المناسبة، كما أنه على كل حال من المنكر الواجب على المسلم إنكاره بقدر الاستطاعة ونحن أولا وآخراً قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله ، والله المستعان.

محسن العواجي 8/3/1426هـ

الوسطية – الحلقة الفكرية

 

 

 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8