يا يحيى خذها بقوة: مرة ثانية الأقربون أولى بالتبرعات

تقييم القراء: / 10
ضعيفجيد 

ونحن على أبواب السفر إلى المشاعر المقدسة راجين مغفرة ذنوب أثقلت كواهلنا الضعيفة و لا ينقذنا منها إلا سعة رحمة ربنا، نفكر فيما سيقابلنا هناك نفكر في منى حيث تعرض عدونا إبليس لأبينا إبراهيم وهو في نسكه، نفكر في جمع الحصى لرمي الجمار الثلاث، ولقضاء النسك وتعظيم الله والطواف بالبيت العتيق، في هذه الأجواء الروحانية وقعت عيني صدفة على مقال ليحيى الأمير في صفحة كاملة في جريدة الرياض الرسمية في يوم التروية ( بعنوان تنظيرات وطنية تحت الحزام) ولعل الأخ يحيى بتوقيته لهذا المقال نسي بأن الحج لا يمنع إنكار المنكر ولا رد البهتان و أن منى هي أفضل مواقع النحر والتقرب إلى الله بقول الحق ورجم إبليس ومع أنه ليس لدي متسع للجدال فما هي إلا سويعات وندخل في النسك( تقبل الله منا ومن جميع المسلمين) لكن ما حيلتي في قطاع الطرق من قوم انتهازيين لم يسلم منهم بر ولا فاجر و لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب ولا عرفة ولا عاشوراء ، لايلتزمون بوطنية ولا يقبلون بأممية للاسلام، يلبون ويحرضون السلطة وهذا الكاتب الذي تعرض لي في طريقي للحج هو ممن تخصصوا في إيغال الصدور على الدولة و ترغيب الناس في شعارات بن لادن والفقيه والمسعري وغيرهم كرد فعل للامنطق الذي يسلكونه، عندما يؤلبون باللامعقول ويستخفون بأصحاب العقول، واشهد أن هؤلاء يروجون في الصحافة خلاف ما أعرفه عن كبار المسئولين في الدولة الذين تحملوا من النقد المباشر وغير المباشر ما يجعلنا نقدرهم ونشفق على يحيى وأمثاله الذين لا يزالون على نغمة الردح القديم بأن الدولة هي الحق المطلق وكل من لم يوافقها على الصغيرة والكبيرة فهو مشكوك في وطنيته وأحيانا في دين وأحيانا خارجيا يجب القضاء عليه.

هذا الردح المقيت الذي أصابنا بالغثيان والاشمئزاز واتكأ عليه الكثير ممن يتربصون بأمننا داخليا وخارجيا ظانين أن هذا هو منهج الدولة الرسمي وكيف نلومهم وحدهم ومغالطات بعض الصحفيين لا تهضم أبدا وتحرج الدولة داخليا وخارجيا ولم تكن كتلك التي كان بمقدور فلان من الصحفيين فيما مضى تمريرها حين كانوا لسان حال السلطة التي وإن كانت تشجعهم إلا أنها أدركت اليوم أن المصلحة تكمن في موازنات معقولة مقبولة . فالدولة أعلنت بنفسها إننا في مرحلة تحديد الأخطاء والبحث عن حل لها يا يحيى،فمتى تفيق من سباتك وتعلم أن الناس كبروا وأن لغة الخطاب لابد وأن تكون صريحة صادقة يكتب المرء وعيناه مفتوحتان إحداهما على الشرع (وهذا الأهم) والأخرى على الشارع (وهذا ذو أهمية أيضا) وهذا يعني أن من تصدر لقول الحق فعليه الصبر على الأذى فإن ذلك من عزم الأمور ومع أني على ضعفي ممن يحاولون تلقي سهام الطرفين لأوصل بعض الحقائق قدر استطاعتي إلا أني لم أسلم من تهم قوية من كل طرف على حد سواء وهذا مما يزيدني تمسكا بالمنهج الوسطي الذي ارجو الله أن يهدينا إليه وفق ما يرضيه واشهد أني لامست من القيادة احتراما مع الصدق معهم ولو كان مرا لا يقارن أبدا بما يحلم به المتزلفون .

عزيزي يحيى الأمير لا اعتراض أبدا على مخالفتك لكل ما أطرح، ولكن أرجو أن يتسع صدرك لي قليلا بعد أن فعلت فعلتك بجريدة الرياض، أخوك الذي تهجمت على شخصيا ولم تناقش ما كتبه في المقال فكريا يتقرب إلى الله بلعن السياسة الأمريكية المعاصرة صباح مساء سرا وعلانية باللغتين العربية والإنجليزية،إن كنت ترى فيها خيرا ومخرجا لك ولأمثالك، أخوك الذي كتبت عنه يتشرف بأن يكون في فسطاط الذين تحركت غيرتهم لما رأوا أحداث بو غريب والفلوجة وقلعة جانجي وهدم منازل الفلسطينين بمباركات أمريكية مباشرة، أخوك الذي تهجمت عليه يرى أن هناك من أولى بالنقد ممن انتقدهم لكن المصلحة اقتضت التوقف وعليه لاالو مالذين اتهموني بشيء من التردد تجاه قضايا معينة، أخوك الذي كتبت عنه ليس موظفا حكوميا لا (خويا) لرئيس تحرير صحيفة سعودية، ومع هذا يا أخي يحيى لا تعارض بين أن نؤكد على مسلماتنا الثلاث (الإسلام، ووحدة المجتمع وأمنه، وقيادته الشرعية ) وبين أن نقول ما نعتقده الحق كون الجميع خطاء بما في ذلك الدولة نفسها، عزيزي يحيى حتى لو صدقت بأنك ( أمير) اعلم انه لا حصانة لأحد أمام الحق أصلحك الله وأن الجميع عرضة للطوفان العولمي الذي هو أشد من طوفان تسونامي، اليوم يا يحيى إلم يكن المثقف محصنا بالحق المبين و بالمنطق السليم والحجة والبرهان فسوف تقذفه أمواج الشفافية الإعلامية على شاطئ اليم ليكون لمن خلفه آية، ألا ترى هذه الأمواج عصفت بدول هي أكثر منا وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون؟

عزيزي يحيى لا تظن أن التلطف في العبارة تفرضه الرغبة أو الرهبة لكنها الحكمة التي تقتضي ألا تستفز النفوس ولا تخدش هيبتها وذلك طمعا في دعوتها للحق، ولا تظن أنك تغرد في (كمبارس) الدولة وتتحدث باسمهما ولعلي أذكرك بأن كبار المسئولين الذين تعتقد أنك بهذا التجديف العشوائي ترضيهم قد تجاوزا هذه الطنطنة التي تذكرنا بالشعر النبطي قبل عشرين سنة، فالدولة ممثلة بأعلى مسئول فيها اعترفت بوجود الفقر المدقع وقام ولي العهد بنفسه بزيارتهم في أعشاشهم ونقل ذلك على الهوى مباشرة ولم يكن بوسع هؤلاء الفقراء أن يتزلفوا لمسئولين بمقالات النفاق والتودد لنالوا فتات خبز، بل ينتظرون منا القيام بالواجب بالنفقةو بالزكاة الواجبة والصدقة المندوبة وهؤلاء يا يحيى الأمير رضيت أم لم ترض أولى ممن تفصلنا عنهم المحيطات والبحار دون أن نحرم أولئك من حقوقهم الإنسانية كما أوضحتُ ذلك في مقالي الذي عرفتَ بعضه وأعرضتَ عن بعض لحاجة في نفسك ونفس من يحرضك على مثل هذا من وراء الجدر.

أن الحديث عن المواطنة يا عزيزي ليس محل مزايدة والمواطنة مهما علت في نفوسنا فهي ليست بديلا ولا موازيا للهوية الإسلامية فالشعوب والقبائل مسلمة منذ أكتر من 14 قرنا ولم نكن سعوديين إلا قبل سبعين عاما ومع أننا نفتخر بانتمائما الى بلد له هذه الخصوصية والمكانة موقعا والدينية قيادة وشعبا إلا أنه لا يرد أبد أن تكون الهوية الوطنية بديلا عن الهوية الإسلامية ولعلمك يا يحيى لقد تشرفت المملكة بانتمائها للدين الذي هو مصدر عزها وبقائها، وأما الدين فهو شامخ بذاته فلو كفر به أهل الأرض كلهم فقد قال الله في معرض الحديث عن الرسل الذين هم أفضل البشر (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) ثم اعلم وفقك الله لكل خير بأن أكثر الناس إخلاصا في مواطنته اليوم يفتخر بكون مسلما بالدرجة الأولى أكثر من فخره بانتمائه لأية جنسية معاصرة بما في ذلك الجنسية السعودية بما لها من مكانة في قلوبنا نحن السعوديين.

أما الحديث عن الطعن تحت الحزام، فاعتقد أني كتبت وجهة نظر شخصية ليست مفتيا ولا صاحب قرار وهذا أدنى حق لمواطن في زمن تحدث فيه كل أهل الأرض ولم احمل سلاحا لكي أطعن فيه، وإذا ساءك التلميح إلى أننا لا نستطيع الانفكاك عن التوجه الأمريكي فالعالم السياسي كله يجمع تصريحا على أن السعودية من أهم حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط، وأن مصلحتها مرتبطة بالكثير من المواقف الأمريكية، واعلم إن الكثير من المواطنين ليسوا مع هذا التوجه بل يريدون أن تبقى العلاقة وفق ما رسمه الملك عبد العزيز وفرانكلين روزفلت عندما اتفقا عام 1945م على أن (نتعاون لتحقيق مصالحنا ولكل منا ثقافته) فهذه قاعدة عادلة للتعاون والتعايش والخروج عنها لصالح أمريكا مرفوض وطنيا يا يحيى الأمير حتى وإن جبنت عن قوله أنت وأمثالك في الصحافة الرسمية فإن الكثير من المخلصين لدينهم ووطنهم وولاة أمرهم يعتبرونه مساسا بالسيادة والاستقلال أ لا أن يشكف لهم من المبررات ما يزيل هذا اللبس.

وأما حديثك بالمنة والأذى عن بعض المواقف التي قامت بها الدولة رسميا من قبل فهذه لم أنكرها في مقالي السابق ولم يصلني من المعتبرين لوما ولا عتبا إلا أن تكون أنت ناطقا باسم الدولة ولكني قلت ولا أزال أقول أنه مهما كان مقدرا فهو دون المطلوب وأن أكثره مسيسا، وإلا لماذا لم يزول الفقر وتختفى الحاجة؟ ولا أدري لماذا لا تكتب في الصحافة يايحيى إن كنت شجاعا نزيها محايدا عن حاجة الأمة لحملة بهذا الزخم الإعلامي والمشيخي لمساعدة المنكوبين في العراق إبان الحصار الجائر عليه لعشر سنوات مضت مات فيها مئات الآلاف من الأطفال والشيوخ والنساء وهم جيراننا وأخواننا وأقاربنا؟ في وقت نظمت فيه حملة التبرعات لإعمار البوسنة بعد اتفاقية دايتون؟ لماذا لم ترتب حملة تبرعات لهؤلاء الجوعى الأبرياء عصيانا لأمريكا وطاعة لله الذي يقول (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم؟ ) ولماذا لم ترتب حملة لمساعدة إخواننا وأخواتنا في فلسطين وإيصالها عن طريق لجان خيرية حتى لو كانت من خلال الأمم المتحدة؟ ألا تقرأ عن أرصدة أعضاء منظمة فتح في البنوك العالمية؟ ثم ألا ترى مشاهد النساء الفلسطينيات أمام ركام منازلهن يبكين ويستغثن بالرجال؟ أما ما كان يصرف على منظمة فتح فلم يكن ليصل إلى الضعفاء يا يحيى أكتب هذا من معايني المباشرة لواقع اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات البؤس التي لو دخلتها أنت يا يحيى على مافيك من نزعة التزلف والتملق، لتحركت عندك مشاعر الإنسانية و لتغير رأيك لهول ما تراه في وقت ترى عناصر فتح منعمين جدا بين من يكاد الفقر يقتلهم، أقول لك هذا كله مؤكدا على الاهتمام الإنساني العالمي.

أصدقك القول يا يحيى بأني لم أعد انتظر مما اكتب هنا مدحا ولا قدحا ولا ردحا، وقد يكو ن لدى صاحب القرار مبررات خاصة لا نعلمهما وبما أننا لا نعلمها فمن حقنا تقييم المشهد بما هو متوافر لدينا حتى يتبن لنا خلاف ذلك، نقدر تحديد المصالح وفق منظور شرعي وتلك أمانة في عنق من تولى أمر المسلمين سيساله الله عنها وفي أعناقنا أمانة الصدق والنصح له. لا يا يحيى الأمير حتى على المستوى الوطني اطالبك بقول الحق بقوة لا سيما و أنت من منطقة عزيزة على كل مواطن وأولى لك أن تكون وفيا لهم أكثر من أن تكون وفيا لشأنك الشخصي، إن منطقة جيزان والساحل تحديدا جزء لا يتجزأ من وطننا الغالي وهم أهل لنا وعشيرة كرام فهل قاسمناهم رغيف الخبز في السراء والضراء؟ حال الكثير منهم لا تخفى ولا أريد أن أذكرك بما أنت أعلم به مني أليس كذلك؟ فهل رتبت حملة وطنية(موازية لتلك الحملات الخارجية) تشعر إخواننا في بلدنا بمعنى الأخوة وصفاء الانتماء حتى ننتظر منهم شعورا مماثلا؟

أخي يحيى إن واجبنا تجاه دولتنا التي نحترمها وندين بالولاء لها بالحق أن نصدقها القول ونعكس الحقيقة و يعلم الله أنني لا أزكي نفسي أبدا وأنك أكرهتني على التعقيب على مقالك الجائررغم السفر وظروفه وأني استحى من ربي وأنا أكتب وأجادل دون أن أعمل ولكن أقل تقدير لا نجرح مشاعر إخوة الدين والعقيدة بكلام يشعرون فيه بالمن والأذى منا عليهم ليس لشيء وصلهم بل لشيء قلنا لهم أننا تبرعنا به فلم يصلهم وخير لنا أن نستتر عن تقصيرنا في حق كل من له حق في مال الله الذي آتانا وقد مدح الله المؤمنين بأنهم مع كل ما يفعلونه (يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون) يا حيى إن صندوق الفقر الذي أنشأه سمو ولي العهد خطوة مقدرة وهوأولى بالحملة الوطنية للتبرعات من ضحايا تسونامي و إذا ورد النص الشرعي يا يحيى فليس لي ولا لك ولا للدولة الخيار ولقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا أن يأخذ الصدقة من فقراء اليمن ويردها على فقرائهم وفي نفس الوقت حث على التبرع والصدقة عموما فوق كل أرض وتحت كل سماء ولكل ذات كبد رطبة.

أخيرا يا يحيى ، خذها من أخ لك ناصح مشفق لا يعرفك: احذر ممن وضعوك واجهة احتراق لهم فإنهم سيتركونك رمادا تذروه الرياح واعلم أن قيادة بلدنا أكبر مما تسوقه عنهم ، خذها بقوة: أن الذي ألجأنا لمواقع الانترنت هو ضيق أفق الآخرين أمثالك بنا وعدم وجود مساحة للرأي المخالف، ولو كتبت عن التبرعات أو غيرها برأيي الذي أعتقده وأتعبد الله فيه لما وجدت منبرا رسميا ينشره مع الأسف ،واستبيحك عذرا أن أقول لك مضطرا وعلى ضوء قوله تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا ظُلم) لئن وصفت مقالي (بالسافر) –يغفر الله لك- فلتعلم أنت ومن على شاكلتك أني خلقت حرا وولدت حرا وقد فتح الله علي أبواب رزقه بكرامة لما حرمت من جميع وظائف الدولة وكل من من علي بعطية أو هبة أو مرتبا مقابل وظيفة بعد طردي من عملي قبل عشر سنوات فردي عليه أنأ أقول له لا كثر الله خيره ولا بارك له في ماله وهو بذلك مأزور غير مأجور، و أحمد الله الذي أغناني بفضله عمن سواه وجعلني معافى مما ابتلي به يحيى الأمير وأقرانه كما احمد الله الذي لم يجعلني ككلب الحراسة الذي ينبح على كل قادم حتى لو كان أعز صديق لأهل البيت رجاء قطعة عظم يرميها له في المساء، وقد يرحل ويتركه مكان خيمته شريدا طريدا، الحالة المأساوية التي لا أحبها لنفسي ولا لأخي الأستاذ يحيى الأمير عسى الله أن يهديني وإياه للحق، واعتذر للأخوة القراء الكرام عن العجالة في الكتابة وعدم متابعتي للمداخلات فسوف أتحرك بعد دقائق للمطار مثقلا بما هو قليل في سعة رحمة ربي وكل عام وأنتم بخير وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.

محسن العواجي -الوسطية الحلقة الفكرية- يوم التروية 1425هـ



 

 

 

إضافة تعليق


Security code
تحديث

[ آخر التعليقات ]

موقع الدكتور محسن العواجي ©2003-2016

Template By: JoomlaShine || Developed By mohsenalawajy.com|| لتصفح الموقع Firefox أو IE 8